وحدة السودان أم الانفصال؟ (2)

الطيب مادري حسن

معضلة الإسلاميين التي لا يمكن تجاهلها
بعد سنوات من الحرب والانقسام والدمار، أصبح من الواضح أن السودان يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن تتجه البلاد نحو تسوية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة، أو تستمر حالة الاستقطاب حتى تصل إلى مرحلة تهدد وحدة السودان ومستقبله.
لقد ظل الخطاب السياسي السوداني، خلال العقود الماضية، قائماً على فكرة الغلبة؛ إذ يسعى كل طرف إلى إقصاء خصومه بدلاً من البحث عن صيغة للتعايش السياسي معهم. غير أن التجربة أثبتت أن الإقصاء لم ينجح في إنهاء الأزمات، بل كان سبباً في إنتاج أزمات جديدة أكثر تعقيداً.
وتبرز الحركة الإسلامية باعتبارها واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد السوداني. فهناك من يحملها مسؤولية جانب كبير من أزمات البلاد، وهناك من يرى أنها تمثل تياراً سياسياً واجتماعياً لا يمكن تجاهله أو شطبه من الواقع بقرار سياسي. وبين هذين الموقفين تقف معضلة السودان الحقيقية.
فالسلام الدائم لا يتحقق بمجرد هزيمة طرف عسكرياً أو إبعاده سياسياً، وإنما يتحقق عندما تتوافر إرادة وطنية لمعالجة أسباب الصراع بصورة شاملة. وإذا كان الإسلاميون يمتلكون نفوذاً سياسياً واجتماعياً وتنظيمياً داخل قطاعات من المجتمع والدولة، فإن تجاهل هذه الحقيقة لن يؤدي إلى اختفائهم، بل قد يؤدي إلى انتقال الصراع من شكل إلى آخر.
وفي المقابل، فإن المطالبة بمشاركة الإسلاميين في أي تسوية لا تعني منح أي طرف حصانة من النقد أو المساءلة، ولا تعني تجاوز أخطاء الماضي، وإنما تعني الاعتراف بواقع التوازنات القائمة على الأرض. فالدول لا تُدار بالرغبات، وإنما بالحقائق السياسية والاجتماعية.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جديد يقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، والتداول السلمي للسلطة، بعيداً عن احتكار الدولة باسم الدين أو القبيلة أو السلاح. كما أن البلاد بحاجة إلى توافق واسع يحدد شكل الدولة ومستقبلها بصورة تمنع عودة الحرب في كل مرة يختلف فيها السياسيون.
إن معضلة الإسلاميين ليست في وجودهم فقط، بل في كيفية التعامل معهم ضمن مشروع وطني يحقق السلام والاستقرار. فالإقصاء الكامل قد يقود إلى مزيد من الاستقطاب، والهيمنة الكاملة قد تعيد إنتاج الأزمة من جديد. وبين هذين الخيارين، يظل التوافق الوطني هو الطريق الأقل كلفة، والأكثر قدرة على الحفاظ على وحدة السودان.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغل السودانيين اليوم ليس: من ينتصر؟ بل: كيف ينتصر السودان؟ لأن الأوطان لا تُقاس بانتصار فصيل على آخر، وإنما بقدرتها على البقاء موحدة وآمنة وقادرة على صناعة مستقبل أفضل لأبنائها.
غداً يوم جديد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.