يتسع نطاق التداعيات الإنسانية للحرب في السودان مع انتقال الاستهداف من ساحات المواجهات العسكرية إلى البنى التحتية المدنية التي تمثل شريان الحياة لملايين المواطنين.. ويأتي تدمير طيران الجيش السوداني لجسر أردمتا بمدينة الجنينة بولاية غرب دارفور في وقت يفقد فيه المدنيون أحد أهم الممرات الإنسانية والتجارية في غرب السودان، ما يهدد حركة الإغاثة والتجارة والتنقل في توقيت بالغ الحساسية.
ولم يكن جسر أردمتا مجرد منشأة هندسية تربط أجزاء المدينة ببعضها، بل ظل ممراً استراتيجياً لعبور المساعدات الإنسانية القادمة عبر معبر أدري الحدودي مع تشاد نحو ولايات دارفور وكردفان، فضلاً عن دوره الحيوي في انسياب السلع والخدمات الأساسية ووصول المنظمات الإنسانية إلى مناطق النزوح والتجمعات المتأثرة بالحرب.
وفي أول تعليق أممي على استهداف هذا الممر الحيوي، حذرت الأمم المتحدة من أن الهجمات التي تطال الجسور والطرق والبنية التحتية المدنية تؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتهدد وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين. وقال نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، إن طريق الجنينة ـ زالنجي، الذي يمثل أحد أهم الممرات الإنسانية في غرب السودان، لا يزال هشاً ومعرضاً للمخاطر، مؤكداً أن أي استهداف للبنية التحتية الحيوية من شأنه تعطيل عمليات الإغاثة وتقليص قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى المدنيين.
وتزامنت التحذيرات الأممية مع تصاعد الإدانات المحلية، حيث طالبت الإدارة المدنية بولاية غرب دارفور الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الدولية والإقليمية بالتدخل العاجل للحيلولة دون تفاقم الكارثة الإنسانية. وأكدت أن استهداف الجسر أدى إلى تعطيل أحد أهم الممرات التي تعتمد عليها عمليات الإغاثة ونقل السلع الأساسية إلى المناطق المتضررة من الحرب.
كما حذرت الإدارة المدنية من أن الأضرار التي لحقت بالجسر تأتي في وقت يقترب فيه موسم الخريف، الأمر الذي قد يزيد من صعوبة حركة النقل ويهدد بعزل مناطق واسعة عن المساعدات الإنسانية والإمدادات الغذائية والدوائية، ما يفاقم معاناة المدنيين الذين يعيشون أصلاً أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد.
من جانبها، أدانت الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية استهداف الجسر، واعتبرت أن تعطيل هذا المرفق الحيوي يهدد بصورة مباشرة انسياب المساعدات الإنسانية إلى ملايين السكان في دارفور وكردفان. وأشارت إلى أن الجسر يشكل نقطة عبور رئيسية للشاحنات الإغاثية وفرق العمل الإنساني القادمة عبر الحدود التشادية، محذرة من أن استمرار استهداف البنى التحتية المدنية سيقوض الجهود الإنسانية ويضاعف الاحتياجات في المناطق المتأثرة بالنزاع.
وفي موقف أكثر حدة، وصفت حكومة السلام الانتقالية تدمير جسر أردمتا بأنه استهداف مباشر للمدنيين والبنية التحتية الحيوية، معتبرة أن الحادثة تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني وتهديداً للأمن الإنساني والاقتصادي في المنطقة. وأكدت أن تداعيات تدمير الجسر لن تقتصر على حركة المساعدات الإنسانية، بل ستمتد إلى الأنشطة التجارية والموسم الزراعي والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها السكان.
ويكشف استهداف جسر أردمتا عن نمط متصاعد من الهجمات التي تطال البنى التحتية المدنية في السودان، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من انهيار مسارات الإغاثة واتساع رقعة الأزمة الإنسانية. فحين تتحول الجسور والطرق والمرافق الخدمية إلى أهداف للحرب، يصبح المدنيون هم الضحايا المباشرين، وتتحول معركة السلاح إلى حرب على سبل الحياة نفسها.
وبينما تتبادل أطراف النزاع الاتهامات، يبقى ملايين المدنيين في دارفور وكردفان رهائن لتعطل الممرات الإنسانية وتراجع فرص الوصول إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية. ومع كل استهداف جديد للبنية التحتية، تتعمق الأزمة الإنسانية وتتضاءل فرص الاستجابة الفاعلة لاحتياجات السكان، في مشهد يجسد الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون جراء استمرار الحرب، ويطرح تساؤلات ملحّة حول مستقبل الممرات الإنسانية في السودان وقدرتها على الصمود أمام اتساع رقعة الصراع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.