عندما يجعل الله كل شيء جديداً قراءة روحانية في دور العلم بالريف السوداني بعد حرب 15 أبريل
د. عيسى الغالي
في لحظات الانكسار الكبرى، حين تشتد العتمة وتضيق الأرض بما رحبت، يبزغ الأمل من حيث لا يُحتسب، ويعيد الله تشكيل الوعي والواقع ليجعل كل شيء جديداً… فالحرب التي اندلعت في البلاد في الخامس عشر من أبريل لم تكن مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل كانت زلزالاً روحياً واجتماعياً أعاد تعريف معنى البقاء، والعلم، والوطن.
لقد كشفت المأساة عن هشاشة البنى الحضرية، وعن عمق الجراح التي أصابت المدن، لكنها أيضاً فتحت نافذة على الريف السوداني، حيث بدأت بذور جديدة للنهضة تنبت في تربة الصبر والإيمان. هناك، بعيداً عن صخب الإعلام ومراكز القرار، عاد العلم ليأخذ شكلاً مختلفاً-أكثر تواضعاً، وأكثر صدقاً، وأقرب إلى جوهر رسالته الإنسانية.
العلم كفعل مقاومة
في القرى والمناطق الريفية التي استقبلت مئات الآلاف من النازحين، لم يكن التعليم رفاهية، بل صار فعلاً من أفعال المقاومة ضد الفناء.. رأينا معلمين يواصلون الدرس تحت ظل شجر النيم، وأطفالاً يكتبون على الرمال حين انعدمت الكراسات، ونساءً حوّلن البيوت إلى فصول مؤقتة. هنا، لم يعد العلم مجرد نقل للمعرفة، بل صار ترميماً للروح وإحياءً للهوية.. فكل حرف يُكتب، وكل فكرة تُتداول، هي إعلان للحياة في وجه العبث، ورفض للصمت والاستسلام.
الريف… مركز جديد للنهضة
ما بعد الحرب ليس عودة إلى ما قبلها، بل ميلادٌ جديد. الريف الذي كان يُنظر إليه طويلاً كمجال هامشي، أصبح مركزاً لإعادة بناء السودان من الأساس. ففيه تتشكل اليوم مبادرات تعليمية مجتمعية صغيرة، تعتمد على التعاون الشعبي أكثر من الدعم الرسمي، وتجمع بين التعليم الأكاديمي والمعرفة الزراعية والحرفية. إنها مدارس للحياة، لا للدرجات؛ تُخرج جيلاً يعرف كيف يزرع الأمل كما يزرع الذرة، وكيف يحول المعرفة إلى عمل، والعمل إلى بناء.
لقد أصبح الريف مختبراً حقيقياً لنموذج سوداني جديد في التعليم: تعليم ينهض بالبيئة، ويحترم الموارد، ويعيد نسج الروابط الاجتماعية. وهو نموذج لم ينشأ في مكاتب الخبراء ولا في مؤتمرات المدن، بل في القرى التي وجدت نفسها فجأة في قلب المعركة، فأبت إلا أن تكون في قلب الحل.
قراءة روحانية للتحوّل
في عمق هذه التجارب تتجلى دلالة روحانية عميقة: أن الله، حين يمتحن عباده، لا يتركهم في العراء، بل يفتح أمامهم أبواباً جديدة للفهم والعمل. فكما يخرج الماء من بين الصخور، يخرج النور من ظلام الحرب. العلم في الريف السوداني اليوم ليس مجرد وسيلة للتنمية أو الهروب من الجهل، بل هو صلاة يومية تُقال بالفعل قبل القول، وفيها معنى الإيمان بالإنسان، وبالقدرة الإلهية على التجديد وإحياء ما ظن الناس أنه انتهى.
ولعل أجمل ما في هذه اللحظة أنّ الريف — الذي طالما جرى تهميشه — أصبح حاملاً لرسالة كبرى: أن المعرفة لا تموت، وأن التعليم، مهما ضاقت السبل، يجد طريقه بين الأنقاض كما يجد العشب طريقه بين الرمال.
حين يجعل الله كل شيء جديداً، لا يعود العلم مجرد درس في كتاب، بل يصبح رسالة حياة… والريف السوداني، في ما بعد حرب 15 أبريل، يقدم درساً للعالم في كيف يمكن للألم أن يتحول إلى وعي، وللدمار أن يُثمر معرفة، وللإنسان السوداني أن ينهض من الرماد بروح لا تُقهر.
إنها لحظة يتواجه فيها الخراب مع الإيمان، وينتصر فيها العلم-في أبسط صوره على اليأس… ولعل بلادنا اليوم، من خلال ريفه، يكتب فصلاً جديداً يُثبت أن الشعوب لا تُهزم عندما تختار أن تتعلم، ولا تسقط حين تعرف كيف تجعل من امتحانها بداية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.