زلزال جامعة الخرطوم- حين يصبح “السجل الأكاديمي” جبهةً للصراع السيادي

زهير عثمان حمد

لم تكن استقالة البروفيسور علي عبدالرحمن رباح من منصبه بجامعة الخرطوم مجرد إجراء إداري يمر عابرًا في دفاتر الجامعة العريقة؛ بل كانت صرخة مدوية كشفت عن وصول الصراع السوداني المحتدم إلى “قدس أقداس” المؤسسات المعرفية
حين تُستخدم مفردات مثل “التزوير، الاختراق، والطرف الثالث” في بيان استقالة أكاديمية، فنحن لا نتحدث عن خلاف مهني، بل عن معركة أمن قومي بامتياز، تُنذر بتحويل الجامعة من فضاء مستقل للبحث والمعرفة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية
وإعادة هندسة الشرعية الزائفة
السجل الأكاديمي.. رأسمال لا يقبل القسمة
إن السجل الأكاديمي لجامعة الخرطوم ليس مجرد أرشيف من الأوراق والدرجات، بل هو “الرأسمال الرمزي” للسودان أمام العالم. إن التشكيك في نزاهة هذا السجل، كما حذّر رباح، يمثل تهديدًا غير مرئي يضرب الاعتراف الدولي بالشهادات السودانية
في مقتل. نحن أمام خطر تحويل الكفاءة العلمية إلى “سلعة” خاضعة للتلاعب السياسي أو المالي، مما يجعل الخريج السوداني في مهب الريح أمام سوق العمل العالمي والمنظومات الأكاديمية الدولي.
لغز “الطرف الثالث” وتغول السلطة
تطرح الاستقالة سؤالاً جوهرياً حول هوية “الطرف الثالث” الذي تغلغل في مفاصل القرار الأكاديمي. هذا الغموض ليس صدفة، بل هو تعبير عن أزمة السلطة في السودان؛ حيث تتصارع ثلاثة سيناريوهات مخيفة
تغوّل أجهزة رسمية على استقلال الجامعات لفرض أجندات أيديولوجية أو أمنية
شبكات مصالح تسعى لتبييض الشهادات وشرعنة مواقع اجتماعية وأكاديمية لأشخاص غير مؤهلين
تسييس التعليم بالكامل كأداة في الصراع الأوسع للسيطرة على مفاصل الدولة
مقاومة الرقمنة.. التمسك بـ “الفوضى الورقية”
يظهر الصراع حول “التحول الرقمي” والشهادات الإلكترونية كمفتاح لفهم الأزمة. إن الإصرار على عرقلة هذه المشاريع ليس قصوراً تقنياً، بل هو رغبة واعية في الحفاظ على “الفوضى الورقية”. فالرقمنة تعني الشفافية، والتتبع، واستحالة التزوير السهل
بينما توفر البيروقراطية التقليدية غطاءً مثالياً للمتلاعبين الذين يخشون المساءلة ويقتاتون على غياب الرقابة
الاستقالة كفعل مقاومة أخلاقي
في بيئة سياسية اعتادت التشبث بالمناصب حتى الرمق الأخير، تأتي استقالة بروفيسور رباح كفعل أخلاقي مضاد. إنها ليست هروباً، بل هي “شهادة موثقة” تضع المجتمع الأكاديمي بأسره أمام مرآة الحقيقة. الصمت في هذه اللحظة لم يعد موقفاً إدارياً محايداً
بل أصبح أقرب إلى “التواطؤ التاريخي” في جريمة تزييف وعي الأمة ومستقبل أجيالها
الجامعة مرآة للدولة المنهكة
إن ما يحدث في جامعة الخرطوم هو انعكاس دقيق لحال الدولة السودانية المنهكة. فعندما يُطلب من الأكاديمي التغطية على التزوير تحت لافتة “الضرورات العليا”، نكون أمام دولة فقدت بوصلتها الأخلاقية وباتت تبحث عن شرعية، ولو كانت عبر شهادة جامعية
مزورة.
إن استقالة علي عبدالرحمن رباح ليست نهاية الحدث، بل هي إنذار مبكر ومخيف- إذا سقطت نزاهة الجامعة، سقط آخر معاقل الثقة العامة في السودان. فالمعرفة هي جوهر السيادة، وإذا صار التعليم أداة للصراع، فإن المستقبل نفسه يصبح موضع تزوير.
يبقى السؤال الأهم معلقاً في أروقة الجامعة وميادين الدولة: من يحمي المعرفة حين تعجز الدولة عن حماية ذاتها؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.