من الشجرة المباركة إلى الجذر المدمّر: حين ينقلب الرمز على معناه

م. معاوية ماجد

ليست الاستعارة في الثقافة الدينية واللغوية فعلًا جماليًا معزولًا، بل بنية فكرية مكتملة، تختصر رؤيةً للعالم، وتختبر صدق من يتوسل بها. ولعل المثل القرآني في سورة إبراهيم عن الكلمة الطيبة، التي تشبه شجرةً طيبةً أصلها ثابت وفرعها في السماء، من أكثر الصور كثافةً في دلالتها الأخلاقية والسياسية معًا، إذ لا يكتفي بتوصيف الإيمان كحالة داخلية، بل يربطه بالفعل والأثر والنفع العام المتجدد. فالأصل الثابت ليس ادعاءً، والفرع السامق ليس شعارًا، والثمر الدائم لا ينتج عن الخطابة، وإنما عن اتساقٍ عميقٍ بين ما يستقر في الضمير وما يمارس في الواقع.
من هذا المعنى تحديدًا تبدأ المفارقة، حين يتحول النص المقدس إلى لافتة سياسية، وحين تُستدعى الآية لا بوصفها ميزانًا أخلاقيًا، بل غطاءً رمزيًا لسلطةٍ تبحث عن شرعنة ذاتها. اختيار المؤتمر الوطني لهذا المثل لم يكن اختيارًا بريئًا، لأنه يضع صاحبه، من حيث يدري أو لا يدري، تحت محك صارم: هل تشبه التجربة السياسية شجرة الإيمان، أم أنها مجرد ظل زائف بلا ثمر؟ ومع تراكم سنوات الحكم، لم يعد السؤال نظريًا، بل صار جوابه مكتوبًا على جسد الدولة السودانية نفسها، في اقتصادها المنهك، ومجتمعها الممزق، ودولتها التي تآكلت من الداخل.
في مقابل هذه الاستعارة المتعالية، أنتج الوعي الشعبي استعارةً مضادة، أكثر التصاقًا بالأرض وبالتجربة اليومية: شجرة الدمس، أو ما يُعرف علميًا بالكينو كاربس. شجرة وافدة، ناعمة المظهر، سريعة النمو، لكنها تخفي تحت سطح الأرض شبكة جذور شرهة لا تعرف التوازن ولا تعترف بالحدود. ما إن تشعر بالعطش حتى تبدأ في الزحف الأعمى نحو الماء، تخترق الجدران، وتكسر الأنابيب، وتهدد أساسات البيوت، غير عابئة بما تتركه خلفها من خراب. هكذا، وبفعل التجربة المباشرة، لم تعد هذه الشجرة مجرد خطأ بيئي أو اختيارًا زراعيًا سيئًا، بل تحولت إلى رمز سياسي مكثف، يلخص طريقة اشتغال السلطة حين تفقد أي رادع أخلاقي.
لم يكن تشبيه المؤتمر الوطني بهذه الشجرة محض سخرية، بل قراءة عميقة لمسار حكم اتسم بالتمكين لا بالبناء، وبالاستحواذ لا بالشراكة. فمنذ انقلاب الإنقاذ، تشكلت دولة الجذور الخفية، لا دولة المؤسسات. تمددت الشبكات داخل الخدمة المدنية والاقتصاد والأمن والتعليم والإعلام، لا لتثبيت القيم، بل لتأمين السيطرة. وحين جف مورد ما، أو اهتز موضع نفوذ، لم تتردد هذه الجذور في التوغل أعمق، ولو كان الثمن تدمير ما تبقى من بنية الدولة أو تمزيق النسيج الاجتماعي.
الأحداث الكبرى في تجربة الإنقاذ لا تحتاج إلى استدعاء انتقائي، فهي متصلة بخيط واحد: الإقصاء الممنهج، والحروب التي اتسعت بدلًا أن تنحسر، والاقتصاد الذي تحول من وعد العدالة إلى واقع الفساد، والدولة التي استبدلت فكرة الخدمة العامة بمنطق الغنيمة. انفصال الجنوب لم يكن حادثًا معزولًا، بل نتيجةً مباشرة لعقل لا يرى في التنوع إلا تهديدًا، ولا في السياسة إلا أداة إخضاع. والعزلة الدولية، والانهيار الاقتصادي، وتفكك المؤسسات، كلها ثمار مرة لشجرة لم يكن أصلها أخلاقيًا، وإن بدا ثابتًا في السلطة.
ورغم ذلك كله، لم تتوقف هذه النخبة عن التزين بمساحيق الغباء السياسي، وكأن الذاكرة الجمعية يمكن خداعها إلى الأبد. ما زالوا، في كثير من تجلياتهم، يتصرفون بوصفهم أصحاب حق مسلوب، لا مسؤولين عن خراب موثق. يتباكون على فقد المناصب، لا على ضياع الوطن. يندبون القيادات، لا الضحايا. يستعرضون مظاهر الثراء الفاحش، سيارات بأحدث سنة تصنيع، إنفاقًا بغير حساب على ملذات عابرة، وزواجًا مثنى وثلاث ورباع في سياق استعراضي فج، بينما كان ملايين السودانيين ينزلقون إلى الفقر، ويقفون في صفوف الخبز والوقود والدواء. هذا الفقد، فقد السلطة لا الوطن، أصابهم بحالة من التخبط أقرب إلى الجنون السياسي، إذ صار الهدف الأوحد هو استعادة ما ضاع، لا مراجعة ما ارتكب.
الواقع، على قسوته، يصدق ذلك تمامًا. فالسلوك لم يتغير جذريًا، والخطاب لم يخضع لمراجعة أخلاقية حقيقية، بل أعيد تدويره بوجوه مختلفة. لا اعترافًا صريحًا بالمسؤولية، ولا مساءلة داخلية، ولا شجاعة مواجهة للتاريخ القريب. تمامًا كجذور الدمس، التي لا تتوقف عن الزحف ما دام الماء موجودًا، تستمر هذه العقلية في البحث عن أي ثغرة، أي فرصة، أي فراغ، لتعيد إنتاج ذاتها، ولو على أنقاض ما تبقى.
ويبقى السؤال الكبير، وهو سؤال لا يغلقه الغضب ولا يشفيه مجرد السرد: هل من توبة تلوح في الأفق؟ لا توبة بوصفها خطابًا إنشائيًا، ولا اعتذارًا علاقاتيًا لتبييض صفحة سياسية، بل توبة بمعناها الأخلاقي العميق، التي تبدأ بالاعتراف الصريح بالفعل، لا الالتفاف عليه، وبالإقرار بالمسؤولية الكاملة عما أصاب الدولة والمجتمع، لا بتوزيع الخطأ على الظروف أو الخصوم أو شماعات التاريخ. توبة تدرك أن الشجرة التي أفسدت المدينة لا يعاد تأهيلها بتغيير اسمها، ولا بطلاء جذعها، ولا بقص بعض أغصانها اليابسة، بل بمواجهة جذورها، تلك الجذور التي تمددت بلا ضابط، وأفسدت الماء والتربة والبيوت، وخلقت واقعًا مختلًا لا يزال السودان يدفع ثمنه.
ومع ذلك، وحتى لو افترضنا جدلًا تحقق هذا الاعتذار، وحدوث هذا الإقلاع الرمزي من الجذور، فإن مقتضى الأخلاق السياسية لا يقف عند حد الندم المعلن. فهناك أفعال، حين تبلغ من العمق والاتساع ما بلغته تجربة المؤتمر الوطني، لا يكفي فيها الاعتذار وحده، ولا تصلح معها محاولات العودة إلى المجال العام كأن شيئًا لم يكن. إن مقتضى المسؤولية هنا هو الانسحاب لا المناورة، والابتعاد لا إعادة التموضع، والانزواء خجلًا لا التباكي على سلطة ضاعت. فالسياسة ليست حقًا أبديًا، ولا ميراثًا، ولا تعويضًا نفسيًا عن فقد المناصب، بل هي مجال ثقة عامة، ومن يفقد هذه الثقة بهذا الحجم لا يملك أخلاقيًا حق المطالبة باستعادتها.
لقد آن لهذه الجماعة، إن أرادت أن تبرئ ذمتها أمام التاريخ، أن تترك السياسة للسودانيين، وأن تبتعد عن السودان وأهله، لا كرهًا في الوطن، بل اعترافًا بما فعلت به. أن تنسحب من المشهد لا باعتبارها ضحية، بل باعتبارها مسؤولة. أن تصمت طويلًا، لأن الصمت هنا أبلغ من الخطب، وأن تدع المجال لجرح لم يلتئم بعد كي يتنفس دون أن تطأه أقدام الذين عمقوه. فبعض الأفعال، حين تبلغ هذا الحد من الإيذاء، لا يكون التكفير عنها بالعودة، بل بالغياب.
وهكذا، يعود المثل إلى معناه الأول، لا كشعار سياسي، بل كميزان أخلاقي صارم. فالشجرة التي لا تؤتي أكلًا طيبًا، ولا تمنح ظلًا آمنًا، ولا تحفظ التربة التي تقف عليها، مصيرها إما أن تُقطع، أو أن تُعزل عن المدينة حمايةً لما تبقى. أما السودان، فلا يحتاج إلى أشجار تتزين بالعلو، فيما جذورها تمزق الأرض، بل إلى بذور جديدة، تنمو ببطء، وتخطئ وتتعلم، لكنها تعرف أن الثبات الحقيقي لا يكون في السلطة، بل في خدمة الناس، وأن الفرع لا يعلو إلا إذا كان الأصل أخلاقيًا، وأن التاريخ، مهما طال، لا ينسى.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.