حين تنقسم المجتمعات، لا يكون الشرخ في الجغرافيا فقط، بل في النفوس. فالانقسام ليس ظاهرة سياسية محضة، بل حالة نفسية جماعية تتغذى من الخوف، وتكبر بالشك، وتترسخ حين تفقد الجماعة قدرتها على التخيّل المشترك للمستقبل. وإذا أردنا أن نفهم ما يجري في السودان اليوم، أو في أي مجتمع خرج مثخنًا من صراعٍ طويل، فعلينا أن نضع المجهر على هذه النفس الجمعية التي تتشكّل في لحظات الانكسار، قبل أن نلتفت إلى الخرائط والسياسات.
الخوف بوصفه لغة الجماعة
الخوف هو أول أعراض الانقسام وأشدها تأثيرًا. وحين يخاف الإنسان من الآخر، لا يعود يراه شريكًا في الوطن، بل تهديدًا لبقائه. وفي لحظات الحرب أو الاضطراب، يتحول الخوف إلى لغة مشتركة بين الجميع، لكنهم لا يتحدثونها بالمفردات نفسها. فكل فئة تظن أن الأخرى مصدر الخطر، وكل جماعة تُحصّن نفسها بالحكايات والشائعات وبالذاكرة الانتقائية.
ويعلّمنا علم النفس الاجتماعي أن الخوف الجماعي يخلق ما يُعرف بـ«التجانس الدفاعي»- أي أن الأفراد يتقاربون داخل مجموعاتهم على أساس الخطر الخارجي، فيتقلص التنوع داخلها، وتزداد عدوانيتها تجاه المختلفين. وهكذا، بدل أن يكون الخوف دافعًا للحذر، يتحول إلى وقودٍ للتقوقع والانفجار.
إن أخطر ما يصيب المجتمعات الخارجة من الصراع هو الذاكرة الانتقائية- تلك التي تحتفظ بما جُرح منها وتنسى ما شُفي، وتضخّم المأساة وتُغيّب الدروس. هذه الذاكرة، إن لم تُعالَج بالصدق والمصارحة، تظل حية في الأجيال التالية، فتنتقل العدوى النفسية من الآباء إلى الأبناء كإرثٍ غير معلن.
ولعل هذا ما يجعل المصالحة الوطنية ليست مسألة سياسية فحسب، بل علاجًا نفسيًا جماعيًا يحتاج إلى شجاعة في الاعتراف، لا إلى بيانات في الإعلام.
في السودان، كما في غيره من الدول التي مرّت بتجارب الانقسام، ظهرت الهويات الصغرى من تحت أنقاض الهوية الكبرى. لكن الهوية الوطنية لا تُبنى بالشعارات، بل بالتجربة المشتركة في مواجهة الألم.. وحين يتقاسم الناس المعاناة، ينشأ بينهم رابط أعمق من العرق واللغة والمذهب- رابط الإنسانية المشتركة. هذا هو العلاج الأنجع لسيكولوجية الانقسام: إعادة بناء المشترك الإنساني قبل المشترك السياسي.
الصدمة الجمعية وإمكان التعافي
يتحدث علم النفس الحديث عن مفهوم “الصدمة الجمعية” — وهي الصدمة التي لا تصيب الأفراد فحسب، بل تضرب نسيج المجتمع كله. هذه الصدمة تُنتج أنماطًا من السلوك الجماعي: الانسحاب، وفقدان الثقة، واللامبالاة، أو حتى العنف المستمر. لكن كما تمرض المجتمعات، فإنها أيضًا تشفى، شرط أن تُمنح الوقت والرعاية.
فالشفاء لا يأتي من نسيان الألم، بل من تحويله إلى معنى. حين يُعيد الناس سرد مأساتهم بطريقة جديدة، تتحول الذاكرة من سجن إلى مدرسة. ولهذا فإن بناء السلام لا يبدأ بتوقيع الاتفاقيات، بل بتغيير السردية التي نحكي بها لأنفسنا: من نحن؟ وما الذي حدث لنا؟
دور التعليم والإعلام في رأب الصدع
لا يمكن لأي مجتمع أن يخرج من دائرة الانقسام دون إصلاح عميق في التعليم والإعلام. فالتعليم هو الذي يُشكّل الوعي الجمعي منذ الطفولة، والإعلام هو الذي يُغذّيه يوميًا. وإذا ظلّ التعليم يُكرّس الصور النمطية، واستمر الإعلام في إعادة إنتاج الخطاب الانقسامي، فلن نصل إلى مصالحة حقيقية مهما وُقّعت من اتفاقيات.
نحو سيكولوجية الوحدة
الوحدة ليست نقيض الاختلاف، بل إدارة الاختلاف بحكمة.
إن السودان، بما يحمله من تعدد ثقافي وعرقي وديني، يملك كنزًا لا لعنة. لكن هذا الكنز يحتاج إلى من يحرسه بالوعي، لا بالسلاح؛ وبالعقل، لا بالعصبية. فالمستقبل لا يصنعه المنتصر في الحرب، بل الذي ينتصر على الكراهية.
خاتمة: من الانقسام إلى الوعي
حين نضع المجتمعات تحت المجهر، نكتشف أن الانقسام ليس قدرًا، بل نتيجة. وما دام السبب في أيدينا، فالعلاج كذلك. فكل جدار نفسي يمكن أن يُهدم، وكل خوف جماعي يمكن أن يُستبدل بالثقة، إذا وُجدت الإرادة السياسية والعقلانية الاجتماعية التي ترى في الإنسان قيمة لا وسيلة.
وفي نهاية المطاف، ليس الانقسام قدرًا تُساق إليه الشعوب، بل مسارًا يصنعه الخوف ويعمّقه الجهل وتعيد إنتاجه الذاكرة الجريحة. وإذا كان الصراع قادرًا على تمزيق الخرائط، فإن الوعي قادر على جمع ما تناثر من النفوس. فالمجتمع الذي يجرؤ على مواجهة أوجاعه، ويفتح دفاتر ماضيه بلا إنكار، هو المجتمع الذي يمتلك فرصة حقيقية للشفاء.
إن بناء مستقبلٍ مشترك لا يبدأ بالسلاح ولا بالاتفاقيات العابرة، بل بترميم الداخل، وصياغة سردية جديدة تُعلّم الأجيال أن الاختلاف ليس لعنة، وأن الانتماء لا يُقاس بالعرق، وأن الوطن لا يقوم إلا على عقلٍ ناضج وقلبٍ متصالح.
وعندما يدرك الناس أن الإنسانية أوسع من هوياتهم الضيقة، وأن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، عندها فقط يبدأ التحول الحقيقي: من مجتمعٍ يعيش في جراحه، إلى مجتمعٍ يستثمر في وعيه. وهناك يولد الأمل، لا كخرافة مطمئنة، بل كخيار واعٍ يصنعه البشر بإرادتهم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.