مصر… ليتها لم تكن الجارة

د. التوم حاج الصافي زين العابدين.

ليست الجغرافيا دائمًا نعمة. أحيانًا تكون عبئًا تاريخيًا ثقيلًا. ما يتعرّض له السودانيون في مصر من إهانات متكررة لم يعد وقائع معزولة، بل نمطًا واضحًا آخذًا في الترسّخ. عند المعابر، يُحتجز السوداني بالساعات بلا سبب مقنع، تُفتَّش كرامته قبل أوراقه. في الشارع، تُطلق النكات العنصرية بلا حرج. في السكن والعمل، يُستغل ضعفه كلاجئ: إيجارات مضاعفة، أجور منقوصة، وتهديد دائم بورقة «الوضع القانوني». وحين تقع الإهانة، يُغلق الملف بعبارة مستهلكة: «تصرف فردي».
غير أن اختزال هذه الوقائع في “سلوك أفراد” ليس سوى هروب من الحقيقة. فالإهانة هنا ليست انحرافًا طارئًا، بل نتيجة بنية ذهنية وسياسية أعمق. بنية وصفها المفكر السوداني الراحل منصور خالد بوضوح صارم حين قال:
«العلاقة مع مصر ظلت محكومة بعقل التفوق التاريخي، لا بعقل الشراكة المتكافئة، وهو ما أضر بالسودان أكثر مما أفاده.»
عقل الوصاية… من الفكرة إلى السياسة
هذا التفوق المتخيَّل لم يكن مجرد شعور شعبي، بل سياسة دولة. عقلية وصاية قديمة أُعيد إنتاجها بأدوات حديثة. ويعترف بها، من داخل الفكر المصري نفسه، الجغرافي والمفكر جمال حمدان بقوله:
«مصر دولة مركزية بطبعها، تميل إلى ابتلاع المجال المحيط بها سياسيًا حين تضعف الأطراف.»
وحين يضعف السودان، لا يُنظر إلى ضعفه بوصفه مأساة إنسانية، بل كفرصة سياسية قابلة للاستثمار. وهنا يتلاقى الاستعلاء السياسي مع الخلل الداخلي السوداني.
المسؤولية السودانية أولًا: نخبة تحكم بأي ثمن
المسؤولية السياسية والأخلاقية لا تقع على القاهرة وحدها، بل تبدأ من الداخل السوداني: من نخبة عسكرية وسياسية ربطت بقاءها في الحكم برضا الخارج. هذه النخبة لم تعد ترى في مصر جارًا تُدار معه علاقة ندّية، بل ضامنًا خارجيًا لاستمرار السلطة. فتتحول السيادة إلى صفقة: حماية سياسية مقابل تبعية عملية.
هذه النخبة لا تخضع لأن القاهرة “أقوى”، بل لأنها تريد أن تحكم بلا مساءلة. وحين يصبح “استمرار الحكم” هو الهدف، تُباع كرامة الشعب بالتجزئة: مرة بالصمت عن الإهانة، ومرة بتسليم القرار، ومرة بتغليف الخضوع تحت عناوين الأمن والاستقرار. هي تخشى الشعب أكثر مما تخشى الجار، وتخشى المحاسبة أكثر مما تخشى الإهانة.
ولذلك لا تستفزها إهانة السودانيين في الشارع المصري كما يستفزها احتمال انتقال القرار إلى المدنيين. وحين يضعف السند الشعبي، تشتد الحاجة إلى السند الخارجي. وحين يغيب المشروع الوطني، تصبح “العلاقة الخاصة” هي المشروع الوحيد.
كما قال المفكر السوداني عبد الله علي إبراهيم:
«الدولة التي لا تحترم نفسها، تُدرِّب الآخرين عمليًا على ألا يحترموها.»
التدخلات المصرية: سياسة ومصلحة
وبحسابات الورقة والقلم، وبمنطق المصالح الباردة، كانت التدخلات المصرية في السودان من الأسوأ أثرًا على استقراره ومساره التنموي. لم تكن يومًا بريئة ولا «حرصًا أخويًا». وقد لخّص الصحفي والمفكر محمد حسنين هيكل جوهر هذه العلاقة بقوله:
«مشكلة مصر التاريخية أنها كثيرًا ما نظرت إلى السودان باعتباره مجالًا حيويًا تابعًا، لا دولة مستقلة مكتملة الإرادة.»
هذه النظرة لم تبقَ حبيسة الكتب، بل تحوّلت إلى ممارسة: دعم أنظمة بعينها، تعطيل مسارات تنمية حقيقية، وتفضيل استقرار شكلي هشّ على نهضة سودانية قد تُنتج دولة قوية، مستقلة القرار، وندًّا لا تابعًا.
ويضيف المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي توصيفًا بالغ الدقة:
«حين تُلغى الندية بين الدول، تتحول العلاقات إلى سيطرة ناعمة، تُمارَس باسم الأخوّة لا باسم القوة.»
الاقتصاد الخفي: من يستفيد من انهيار السودان؟
ولأن السياسة لا تنفصل عن الاقتصاد، فإن انهيار الدولة السودانية يفتح أسواقًا رمادية واسعة: تهريب، وسماسرة، ونقاط عبور، وسلاسل توريد تُطمَس فيها هوية المنشأ. في مقدمة ذلك الصمغ العربي—أحد أهم المدخلات الغذائية عالميًا—والذي يُعد السودان المنتج الأكبر له تاريخيًا. مع الحرب، تتوسع قنوات التهريب، وتضيع هوية المنتج بين المنافذ والوسطاء، ويُعاد تصديره بوثائق تُبرز “نقطة العبور الأخيرة” لا مكان الإنتاج الحقيقي.
ولا يقتصر الأمر على الصمغ العربي وحده. فهناك منتجات زراعية وحيوانية لا تُنتَج في مصر أصلًا أو لا تمثل فيها مصدرًا أصيلًا، مثل السمسم، الكركدي، الفول السوداني، وغيرها من سلع السودان التقليدية. في غياب دولة قوية تحمي سلاسل القيمة، تُشترى هذه الموارد بأبخس الأثمان داخل السودان، ثم تُمرَّر عبر قنوات إقليمية لتصل للأسواق بقيمة أعلى، بينما يخسر المنتج السوداني السعر العادل والاسم والقدرة على التفاوض. المستفيد الأكبر هو الوسيط، لا المزارع ولا الدولة المنهكة.
الإنصاف واجب… والكراهية مرفوضة
ومن باب الإنصاف لا المساومة: نعم، قد تقع ممارسات خاطئة من بعض السودانيين الذين دخلوا مصر تحت ضغط الحرب—كما يقع من أي جماعة بشرية في ظروف نزوح وفوضى. لكن تحويل هذه الحالات المحدودة إلى وصمة جماعية، أو استخدامها لتبرير خطاب كراهية شعبية، هو انحدار أخلاقي خطير. الدولة الراشدة تُحاسب المخالف بصفته الفردية، لا أن تحوّل خطأه إلى إذن لإهانة جماعة كاملة.
كما قال المفكر مالك بن نبي:
«الانحراف الفردي لا يصنع أزمة حضارية، لكن استثماره في الكراهية يصنعها.»
ما يجري اليوم يتجاوز النقد المشروع، ليدخل في نطاق التطبيع مع الإهانة وشرعنة التحقير، وغضّ الطرف عن خطاب عدائي صار يُقال علنًا بلا مساءلة.
مصر
«ليتها لم تكن الجارة» فهي ليست دعوة قطيعة، بل صرخة خيبة. خيبة من علاقة غير متكافئة، ومن جارٍ رأى ضعف الدولة فرصة لا مأساة. والنتيجة واحدة: سوداني مُهان في الغربة، لأن من يحكمه قبِل بالهوان في الوطن.
الكرامة لا تُستجدى، والسيادة لا تُدار بالخنوع. ومن يربط حكمه برضا الخارج يوقّع تلقائيًا على إذلال شعبه، داخليًا وخارجيًا، مهما كان اسم الجار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.