عودة من أنقرة تنتهي بحادث غامض في بورتسودان… مقتل مهندس يُوصف بـ«الصندوق الأسود».. يفتح سجل التصفيات الجسدية للإخوان..

رصد وتحليل: عين الحقيقة

في حادثة أثارت تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية والأمنية، توفي المهندس شاذلي عبد القادر، مدير شركة «سنكات» التركية، في حادث مروري وُصف بـ«الغامض» على طريق بورتسودان، وذلك بعد أيام من عودته من تركيا، حيث كان يشرف – بحسب مصادر متقاطعة – على ملف يُعتقد أنه يتصل بقطاع التصنيع الحربي. السلطات لم تصدر حتى الآن بياناً تفصيلياً يوضح ملابسات الحادث، فيما اكتفت مصادر رسمية بالحديث عن «حادث حركة»، الأمر الذي فتح الباب أمام تكهنات وتحليلات تربط الواقعة بسياق أوسع من الصراعات الداخلية والتجاذبات التي تشهدها مراكز النفوذ المرتبطة بالحركة الإسلامية في السودان.

شخصية محورية في ملف حساس
مصادر مطلعة وصفت الراحل بأنه كان يمثل حلقة وصل مهمة بين جهات سودانية وأخرى خارجية، خصوصاً في ما يتعلق بملفات ذات طابع تقني وصناعي حساس. وتشير ذات المصادر إلى أن نشاطه في تركيا خلال الفترة الماضية وضعه في موقع يوصف بـ«الحساس»، في ظل تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية المتعلقة بتدفقات السلاح ومسارات الدعم اللوجستي. ويرى مراقبون أن طبيعة الملفات التي كان يتولاها تمنحه توصيف «الصندوق الأسود»، في إشارة إلى اطلاعه على معلومات وارتباطات قد تكون ذات تأثير كبير في حال تسربها أو خروجها للعلن.
تاريخ من الحوادث المثيرة للجدل
الحادث أعاد إلى الأذهان وقائع سابقة شهدتها البلاد خلال سنوات حكم نظام عمر البشير، حيث ارتبطت بعض الوفيات بحوادث سير أو سقوط طائرات أثارت آنذاك شكوكاً في الأوساط السياسية. ومن بين الأسماء التي يُستدعى ذكرها في هذا السياق القيادي الراحل مجذوب الخليفة، الذي شكلت وفاته المفاجئة حينها مادة واسعة للتأويل السياسي. ومع غياب معلومات رسمية تفصيلية حول حادث بورتسودان الأخير، تتجدد الأسئلة ذاتها: هل نحن أمام واقعة مرورية عادية، أم أن السياق السياسي والأمني يمنح الحادث أبعاداً أخرى؟
صراع الأجنحة… واحتمالات التصفيات الصامتة
تشهد الساحة السودانية منذ اندلاع الحرب تعقيدات متزايدة داخل المعسكرات المتحالفة، مع بروز خلافات حول إدارة الملفين العسكري والاقتصادي. ويشير محللون إلى أن أي شخصية تمتلك معلومات استراتيجية أو ترتبط بملفات تمويل وتسليح قد تصبح عرضة لضغوط متباينة، خصوصاً في أوقات إعادة ترتيب الأوراق. ومع ذلك، يؤكد خبراء قانونيون أن أي حديث عن «تصفية» أو «اغتيال مقنّع» يبقى في إطار الفرضيات ما لم تُكشف نتائج تحقيق رسمي مستقل وشفاف.
بين الرواية الرسمية والروايات الموازية
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تُعلن نتائج تحقيق فني حول أسباب الحادث، كما لم تُنشر صور أو تقارير رسمية مفصلة عن موقع التصادم أو حال المركبة، وهو ما يعزز مناخ الشكوك في ظل بيئة سياسية تتسم بضعف الشفافية. مما يفتح الباب واسعا أمام اتهامات بالتصفية.

سجل مثير للجدل: اتهامات تاريخية بملفات تصفيات
لم تكن الاتهامات المرتبطة بـ«التصفيات الجسدية» جديدة على المشهد السياسي السوداني خلال سنوات حكم نظام عمر البشير (1989–2019)، الذي ارتبط بالحركة الإسلامية. فمنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، وثّقت منظمات حقوقية محلية ودولية حالات اختفاء قسري واعتقالات انتهت بوفاة محتجزين في ظروف غامضة داخل ما عُرف بـ«بيوت الأشباح».
ومن أبرز القضايا التي ظلت حاضرة في الذاكرة السياسية قضية الطبيب الناشط علي فضل الذي توفي عام 1990 بعد اعتقاله، في واقعة اعتبرتها منظمات حقوقية نتيجة تعذيب داخل مقار أمنية. كما أثيرت تساؤلات واسعة حول ملابسات وفاة القيادي الإسلامي مجذوب الخليفة عام 2007 في حادث سير، وهي قضية لم تُحسم سياسياً في إطار شفاف، رغم الرواية الرسمية آنذاك.
كذلك شهدت البلاد حوادث طيران مأساوية، من بينها تحطم الطائرة العسكرية التي كانت تقل نائب الرئيس آنذاك الزبير محمد صالح عام 1998، وهي حادثة رسمية اعتُبرت قضاءً وقدراً، لكنها بقيت ضمن الوقائع التي أُحيطت بتكهنات سياسية واسعة.
ويشير محللون إلى أن طبيعة النظام الأمني المغلق خلال تلك الحقبة، وغياب الشفافية المؤسسية، أسهما في تكريس مناخ من الشك تجاه أي وفاة غامضة تطال شخصيات ذات صلة بملفات حساسة. ومع ذلك، تبقى كثير من هذه الوقائع في إطار الاتهامات السياسية أو تقارير منظمات حقوقية، دون أحكام قضائية نهائية تدين جهات بعينها في بعض الحالات.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل ستكشف التحقيقات حقيقة ما جرى على طريق بورتسودان، أم سيظل الملف طي الغموض مثل غيره من الملفات التي غابت تفاصيلها في زحام الصراع؟ إلى أن تتضح الصورة، تظل حادثة وفاة المهندس شاذلي عبد القادر حدثاً يتجاوز إطار «حادث السير»، ليصبح جزءاً من مشهد سياسي معقد تتقاطع فيه المصالح، وتتداخل فيه الأسرار، وتبقى فيه الحقيقة رهينة ما ستكشفه الأيام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.