الطائرات المسيرة التركية «أكنجي» توسع نطاق الهجمات في دارفور وكردفان وتصيب المدنيين

تقرير: عين الحقيقة

منذ أكثر من عام، تتهم قوات الدعم السريع تركيا بدعم الجيش السوداني عبر تزويده بطائرات مسيّرة قتالية من طراز بيرقدار TB2 وأكنجي Akinci، وهي طائرات تقول إنها لعبت دوراً محورياً في ترجيح كفة المعارك داخل ولايات كردفان ودارفور… وبحسب الدعم السريع، تسببت هذه المسيرات في مقتل آلاف المدنيين خلال الأشهر الماضية، فيما لم يصدر أي رد رسمي من أنقرة أو الخرطوم تجاه هذه الاتهامات المتكررة.

وتشير روايات ميدانية متطابقة إلى أن جزءاً من العمليات الجوية يُدار- وفقاً لاتهامات الدعم السريع- من قاعدة جبل عوينات على الحدود السودانية- الليبية- المصرية، مع اتهام دولة مجاورة بتوفير تسهيلات لوجستية للجيش السوداني تشمل منصات الإقلاع والهبوط للمسيرات التركية.

وتأتي هذه الاتهامات في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اتساع الدور الخارجي في الحرب السودانية.

وفي تطور جديد يزيد المشهد تعقيداً، كشفت مصادر عسكرية وتقنية مطلعة لـ”عين الحقيقة» مساء أمس عن هبوط طائرة شحن تابعة للقوات الجوية التركية في منطقة جنوب شرق مصر قرب الحدود السودانية.

وطبقًا لمصادر «عين الحقيقة»، أقلعت الطائرة من مطار تكيرداغ شمال غربي تركيا، وهو مطار يرتبط مباشرة بأنشطة شركة بايكار المصنعة للمسيّرات التركية، وعلى رأسها بيرقدار وأكنجي.

وحتى مساء اليوم، لم تصدر السلطات التركية أو المصرية أي توضيحات بشأن طبيعة مهمة الطائرة أو نوع حمولتها، ما فتح الباب واسعاً أمام التساؤلات حول ارتباط التحرك بتصعيد ميداني متسارع داخل السودان.

وقال خبير عسكري لـ”عين الحقيقة، مفضلاً حجب اسمه، إن تحرك الطائرة التركية ليس حدثاً منفصلاً عن سياق الحرب في السودان، مضيفاً أن تركيا لاعب عسكري يستخدم الطائرات المسيرة كأداة نفوذ، وقد أثبتت ذلك في ليبيا وأذربيجان وسوريا وأشار إلى أن السودان أصبح ضمن دوائر الاهتمام الاستراتيجي لأنقرة، خصوصاً إذا مالت الكفة نحو حليفها المفترض.

ويرى الخبير أن طائرات الشحن العسكرية التركية غالباً ما تُستخدم في الدعم الفني ونقل معدات تخص المسيّرات أو فرق التدريب والصيانة، وأن استخدام مواقع حدودية داخل مصر أو ليبيا قد يكون محاولة لتجنّب الظهور المباشر داخل مسرح العمليات السوداني.

إلى ذلك، أكدت قيادات ميدانية في الدعم السريع لـ”عين الحقيقة أن طائرات أكنجي وبيرقدار لعبت الدور الأخطر في تغيير ميزان القوة خلال المعارك في كردفان ودارفور، قائلةً إن هذه المسيّرات لا تستهدف مواقعنا فقط، بل تضرب القرى والأسواق وطرق النزوح ومراكز المدنيين.

واستطردت القيادات أن لديهم رصدات وتحليلات تقنية تشير إلى أن بعض الغارات الجوية انطلقت من قاعدة جبل عوينات، وأن طواقم تشغيل أجنبية شاركت في بعض الهجمات.

وأفاد ذوو الضحايا من ولايتي شمال دارفور وغرب كردفان بأن القصف غالباً ما يكون دقيقاً ويصيب تجمعات مدنية بشكل مباشر.

وقال أحد المراقبين من الفاشر، فقد أربعة من أفراد أسرته: “كانت الطائرة تحوم فوق القرية لأكثر من ساعة… اعتقد الناس أنها مجرد استطلاع، لكن فجأة سقط الصاروخ على منزلي ومنازل الجيران. لم يكن هناك أي وجود لقوات الدعم السريع. كل الضحايا كانوا مدنيين.

وفي ضوء ذلك، قالت سيدة من غرب كردفان لـ”عين الحقيقة: نسمع صوت الطائرة قبل الضربة بلحظات، وأطفالنا يصرخون ولا نعرف أين نختبئ البيوت الطينية لا تحمينا.

ويرى ناشطون حقوقيون أن استخدام طائرات مسيرة متقدمة من طراز أكنجي التركية في مناطق آهلة بالمدنيين، دون مراعاة الظروف الإنسانية، أدى إلى كارثة غير مسبوقة في تاريخ الإقليم.

بينما يتفق مراقبون على أن هبوط طائرة الشحن التركية قرب الحدود السودانية- المصرية يأتي في لحظة سياسية وعسكرية حساسة، وقد يمثل دعماً لوجستياً جديداً للجيش السوداني، أو مقدمة لتوسيع الدور التركي غير المعلن في الحرب، أو خطوة ضمن ترتيبات إقليمية تشمل مصر.

ويجمع الخبراء على أن الحرب في السودان تحولت فعلياً إلى حرب بالوكالة، وأن الأطراف الإقليمية والدولية، بما فيها تركيا، أصبحت جزءاً أساسياً من موازين القوة على الأرض.

وبين الاتهامات العلنية من قوات الدعم السريع، وصمت أنقرة والقاهرة، والتحركات العسكرية غير المعتادة للطيران التركي، يظل السؤال الكبير معلقاً: هل يدخل السودان فصلاً جديداً من التدخل العسكري الدولي؟

وبينما تتوالى الاتهامات من قوات الدعم السريع، ويستمر الصمت التركي والمصري، تتزايد المؤشرات على تحولات كبيرة في طبيعة الصراع. فهبوط طائرة شحن تركية قرب الحدود السودانية، واستخدام مسيّرات متقدمة في مناطق مكتظة بالسكان، كلها عوامل تعيد تشكيل ملامح الحرب وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة.

وفي ظل غياب الشفافية وتعدد الأطراف الإقليمية الفاعلة، يبرز سؤال ملح: هل يقف السودان على أعتاب تدخل عسكري إقليمي مباشر؟

الإجابة تبدو ضبابية حتى الآن، لكن المؤكد أن الحرب لم تعد شأناً سودانياً خالصاً، وأن المسيرات التركية- وعلى رأسها أكنجي- باتت لاعباً مركزياً في ميدان قتال يتسع كل يوم، ويقود البلاد نحو فصل جديد من الصراع لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.