حرب الظلال: كيف تُستخدم الحسابات النسوية الوهمية لاصطياد الشباب السوداني إلى جبهات القتال

تقرير: عين الحقيقة

 

منذ اندلاع النزاع المسلح في البلاد في 15 أبريل 2023، لم تنحصر المعارك في شوارع الخرطوم ومدن دارفور، بل امتدت لتشكّل جبهة موازية وأكثر تعقيداً في الفضاء الرقمي. يكشف هذا التقرير الاستقصائي كيف تحوّلت الهوية النسوية في البلاد إلى سلاح استراتيجي تتبناه وتديره غرف عمليات منظّمة تابعة للاستخبارات العسكرية وجهاز الأمن، والكوادر الموالية لتنظيم الحركة الإسلامية «الكيزان»، من خلال استغلال نجمات المجتمع تارة، وتصنيع آلاف الحسابات الوهمية تارة أخرى، لضخّ خطابات الكراهية، وتخوين دعاة السلام، وممارسة ابتزاز نفسي ممنهج لدفع الشباب نحو محارق القتال.

وراء العشوائية الظاهرة على منصات التواصل الاجتماعي تقف بنية تحتية شديدة التنظيم.. وتشير تقاطعات البيانات والمؤشرات التقنية إلى تورّط مباشر لأقسام الحرب النفسية التابعة للأجهزة الأمنية والاستخباراتية، مدعومة بالقدرات التعبوية والتنظيمية لكوادر الحركة الإسلامية.. ويتقاطع دور هذه الجهات في توفير الغطاء التقني والمحتوى الأيديولوجي؛ فبينما تصيغ الأجهزة الرسمية السرديات المطلوبة لتبرير استمرار الحرب وتخوين المعارضين المدنيين، يوفّر التنظيم السياسي الكوادر البشرية المدربة، ليُحول النزاع العسكري إلى معركة «وجودية» تُبرَّر فيها كافة الانتهاكات، وتُستخدم فيها الهوية النسوية كطُعم اصطياد.

تُدار هذه الشبكات اللامركزية عبر مجموعات مغلقة على تطبيق «واتساب»، تعمل بمثابة غرف عمليات مصغّرة لتجاوز رقابة المنصات المفتوحة.. داخل هذه المجموعات، يتم يومياً توزيع «السكربتات» النصوص الجاهزة للنسخ واللصق» والصور المولّدة بالذكاء الاصطناعي لحسابات فتيات وهميات.. ولا يقتصر الأمر على النشر، بل يتم توجيه هجمات الأسراب المنسقة، حيث تُرسل روابط لحسابات صحفيين وناشطين وكيانات مدنية مناهضة للحرب، لتنقض عليها اللجان الإلكترونية بالتعليقات المحرّضة أو البلاغات الجماعية بهدف إسكاتها. هذا التنسيق يخلق إجماعاً زائفاً يوحي بأن الصوت الشعبي يطالب باستمرار القتال وسحق الطرف الآخر، ويصوّر المعارضة على أنها عميلة.

وفي محاولة لإضفاء شرعية اجتماعية على خطاب الحرب، تم توظيف واستقطاب عدد من الشخصيات النسائية البارزة، من إعلاميات ومغنيات ونجمات مجتمع، كواجهات دعائية. تلعب هؤلاء النجمات دور «الحكّامة» العصرية، حيث يستخدمن رصيدهن الجماهيري لتمرير رسائل عاطفية حادّة.

فعبر البكاء تارة، وإطلاق الأناشيد الحماسية والدعوة إلى «البل» «السحق» تارة أخرى، يتم وصم أي محاولة لإنهاء الحرب بالتفاوض بأنها خيانة وعمالة. هذا الاستغلال للمشاهير يعطّل التفكير النقدي لدى المتابعين، ويستبدله بشحنة عاطفية غاضبة تجعل من استمرار نزيف الدم خياراً مقدساً.

الجدير بالذكر أن استخدام الكوادر النسوية في العمل التعبوي ليس وليد اللحظة بالنسبة لتنظيم الحركة الإسلامية، بل هو امتداد لتجربة تاريخية طويلة في تشكيل «الكتائب» وإدارة العمل الطلابي.. لكن الجديد والمفزع في هذه الحرب هو حجم التطرف في الخطاب.. فعندما تدعو حسابات بأسماء نسائية إلى التصفية الجسدية للمعارضين أو تروّج لخطاب كراهية مناطقي، فإن ذلك يهدف إلى كسر الحواجز النفسية للمجتمع. فصدور العنف اللفظي من فئة يُفترض بها مجتمعياً الميل إلى السلام، يسهّل على المقاتلين ارتكاب الانتهاكات بضمير مرتاح، متوهمين أنهم يلبّون نداء «الحرائر».

الهدف التكتيكي الأبرز لهذه الحملات هو تجنيد الشباب ضمن حملات الاستنفار. ولتحقيق ذلك، تستخدم الحسابات النسوية الوهمية والموجّهة أسلوباً نفسياً قاسياً يُعرف بـ “الابتزاز الجندري… يتم توجيه رسائل للمترددين تطعن في رجولتهم بشكل مباشر، وتربط مفهوم الشرف وحماية العِرض بحمل السلاح والانخراط في القتال حصراً.. وتنتشر منشورات تتنمّر على الشباب الرافضين للحرب، وتطالبهم بارتداء ملابس النساء، مما يولّد ضغطاً مجتمعياً ونفسياً هائلاً يدفع كثيرين إلى التوجّه لجبهات القتال هرباً من هذه الوصمة.

إن ما تقوم به الاستخبارات والواجهات السياسية الداعمة للحرب من استغلال ممنهج لأصوات وصور النساء يُعدّ انتهاكاً مركباً يُضاف إلى سجل الجرائم المروّعة في هذا النزاع.

فبدلاً من إبراز معاناة المرأة السودانية الحقيقية، يتم اختطاف هويتها لتحويلها إلى وقود يحرق ما تبقّى من شباب السودان. إن تفكيك هذه الآلة الدعائية يتطلّب وعياً مجتمعياً لفصل الصوت الحقيقي للمرأة السودانية، التوّاقة للسلام والمستقبل، عن ذلك الصوت المصطنع والموجَّه من داخل غرف العمليات المظلمة.

تكشف هذه الممارسات أن المعركة في البلاد لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضاً بالكلمة والصورة والخطاب الموجَّه بعناية داخل الفضاء الرقمي. فحين تُختطف الهوية النسوية وتُحوَّل إلى أداة ضغط نفسي ودعائي، يصبح المجتمع كله ساحة حرب مفتوحة، ويغدو الشباب أهدافاً سهلة لشبكات تعبئة منظمة.

إن مواجهة هذا النمط من الحرب تتطلب وعياً رقمياً واسعاً، ومساءلةً حقيقية للجهات التي تدير هذه الحملات، ودعماً للأصوات المدنية المستقلة. وحده الوعي المجتمعي القادر على كشف الزيف وفصل الحقيقة عن الدعاية يمكن أن يحمي الأجيال الجديدة من الوقوع في شِراك التعبئة المضلِّلة، ويفتح الطريق أمام سلام يعيد للسودان إنسانيته المفقودة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.