يبدو أن الرهان الصفري الذي وضعه تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، ممثلاً في حزب المؤتمر الوطني المحلول، على طاولة الحرب الدائرة بهدف العودة إلى السلطة وإجهاض مسار التحول المدني الديمقراطي، قد وصل إلى طريق مسدود. فمع تصاعد الدخان من ركام المعارك، تتشكل قناعة دولية ومحلية بأن المستقبل السياسي للسودان لن يتسع لمن حكموه لثلاثة عقود، خاصة بعد التصريحات الأمريكية الأخيرة التي وضعت النقاط على الحروف.
وفي تطور لافت يعكس توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب، جاءت التصريحات الأخيرة لمسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية، بمثابة رصاصة الرحمة الدبلوماسية لطموحات الإسلاميين في العودة. فقد أكد بولس بشكل قاطع أن مستقبل السودان لن يحدده الإخوان، في إشارة فُسرت على أنها رفض أمريكي تام لإعادة إنتاج نظام المخلوع عمر البشير تحت أي غطاء عسكري أو سياسي.
ويرى مراقبون في واشنطن أن إدارة ترامب، المعروفة بمواقفها المتشددة تجاه جماعات الإسلام السياسي، لن تسمح بتحويل السودان مرة أخرى إلى بؤرة عدم استقرار أو ملاذ للحركات المتطرفة، وهو ما يجعل عزلة الإخوان دولياً أمراً واقعاً لا مفر منه.
ولا ينفصل الرفض الدولي عن السخط الداخلي، إذ يستند الواقع إلى حقائق تاريخية شكّلت وجدان الشارع السوداني الثائر. ففترة حكم الإخوان التي امتدت لثلاثين عاماً لم تترك خلفها سوى تركة مثقلة بالدماء والديون وتقسيم البلاد.
ويمكن تلخيص حصاد تلك الحقبة في نقاط جوهرية يكررها الشارع السوداني، أبرزها إشعال الحروب الأهلية، بدءاً من حرب الجنوب التي انتهت بفصل ثلث مساحة السودان وذهاب معظم موارده النفطية، وصولاً إلى حروب دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، إلى جانب الفساد الممنهج الذي حوّل مقدرات الدولة وثرواتها لصالح التمكين الحزبي، ما أدى إلى انهيار البنية الاقتصادية والخدمية.
كما قمع نظام الإخوان الحريات، وهو ما مثّل السبب الرئيسي لاندلاع ثورة ديسمبر التي أطاحت برأس النظام في عام 2019.
ويقول المحلل السياسي والكاتب الصحفي الطاهر إسحق الدومة «لـ»عين الحقيقة» إن الحرب التي أشعلها منسوبو النظام البائد كانت محاولتهم الأخيرة لقلب الطاولة، استناداً إلى نظرية «عليّ وعلى أعدائي». ويضيف: كانوا يظنون أن الفوضى ستجعل الشعب يحن إلى أيامهم، لكن ما حدث هو العكس تماماً. لقد أثبتت الحرب للشعب وللمجتمع الدولي أن هذا التنظيم مستعد لحرق السودان بالكامل مقابل العودة إلى الكرسي.
ويؤكد الدومة أن تصريح مستشار ترامب ليس مجرد رأي، بل يعكس استراتيجية دولة عظمى تدرك أن استقرار البحر الأحمر وشرق إفريقيا لا يستقيم مع وجود هذا التنظيم في السلطة.
من جانبه، يشير خبير استراتيجي إلى أن الإخوان راهنوا على السيطرة السريعة عبر كوادرهم داخل المؤسسة العسكرية، لكن إطالة أمد الحرب وتدمير البنية التحتية جعلاهم يخسرون حتى الحاضنة الاجتماعية التي كانوا يدّعون تمثيلها. ويضيف: الآن يواجهون غضباً شعبياً مزدوجاً؛ غضباً على الماضي، وغضباً على تسببهم في دمار الحاضر».
وتؤكد الناشطة في المجتمع المدني رحمة عبد الكريم أن الثورة السودانية لم تمت بالحرب، بل زادها الدمار يقيناً بضرورة الحكم المدني الكامل، وتقول: «محاولات شيطنة القوى المدنية ووصمها بالخيانة فشلت، لأن المواطن البسيط يعلم من الذي نهب، ومن الذي فصل الجنوب، ومن الذي أشعل الفتنة الحالية». وتشدد على أن المستقبل للسودانيين الذين يحلمون بدولة المواطنة، لا دولة الجماعة.
تشير المعطيات الراهنة إلى أن تنظيم الإخوان في السودان يواجه واحدة من أصعب لحظاته التاريخية، بين عزلة دولية متزايدة ورفض شعبي متراكم. ومع تعثر الرهان العسكري وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية، يبدو أن هامش المناورة يضيق يوماً بعد آخر.
ورغم تعقيدات المشهد وطول أمد الحرب، فإن اتجاهات الداخل ومواقف الخارج توحي بأن معادلة الحكم في السودان تتشكل على أسس جديدة، عنوانها الدولة المدنية، وطي صفحة التجارب التي قادت البلاد إلى الانقسام والحروب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.