بينما يرى العالم السودان كساحة حرب تقليدية بين طرفين، تكشف التحقيقات والوقائع التاريخية عن وجود «عقل مدبر» صاغ مشهد العنف الحالي على مدار ثلاثة عقود.
لم تكن الحركة الإسلامية السودانية «نظام الإنقاذ» مجرد طرف خاض الحروب، بل كانت، وفق مراقبين، «المهندس» الذي أعاد تصميم هيكلية النزاع في السودان، محوِّلةً إياه من صراعات سياسية قابلة للتفاوض إلى حروب دينية وقبلية عابرة للأجيال.
ويؤكد مراقبون لـ»عين الحقيقة» أن التحول الجذري بدأ في تسعينيات القرن الماضي. فبينما كانت الحرب في جنوب السودان صراعاً على الهوية والموارد، أدخلت الحركة الإسلامية مفهوم الجهاد الديني.. وتم إنشاء قوات الدفاع الشعبي”، وهي ميليشيا عقائدية موازية للجيش، حيث أُرسل آلاف الطلاب والموظفين إلى غابات الجنوب تحت شعارات دينية.. وأدى هذا التوجه إلى تسميم الفضاء السياسي، وجعل الحلول السلمية تبدو خيانة دينية ووطنية في نظر أنصار النظام، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى الانفصال الدموي لجنوب السودان عام 2011.
ولم يثق نظام الإنقاذ يوماً في المؤسسات الاحترافية، لذا اعتمد سياسة «تعدد الجيوش» لضمان بقائه. ففي دارفور، وبدلاً من البحث عن حلول سياسية، قام النظام بتسليح قبائل ضد أخرى، ما خلق واقعاً مسلحاً معقداً خرج عن السيطرة لاحقاً.
ومن خلال توزيع السلاح على القبائل والموالين أيديولوجياً، تآكل مفهوم الدولة الوطنية، وحلّت مكانه بنية قائمة على دولة الميليشيات.
ويرى خبراء أن قوات «الدعم السريع) الحالية، التي تقاتل الجيش، تُعد إحدى نتائج هذه الهندسة الأمنية التي بدأت داخل مؤسسات النظام السابق.
ولم تكتف الحركة بإنشاء ميليشيات خارجية، بل نفذت عمليات إعادة تشكيل داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فقد تم فصل عدد من الضباط المهنيين، واستبدالهم بعناصر تدين بالولاء للتنظيم قبل المؤسسة والدولة.
وخلال حرب 15 أبريل، برزت تشكيلات مسلحة مثل “كتيبة البراء بن مالك»، وهي مجموعات مرتبطة بالتنظيم تقاتل أحياناً بشكل مستقل أو تحت مظلة الجيش، ما يعقّد فرص وقف إطلاق النار أو العودة إلى الحكم المدني. كما جرى التحالف مع حركات مسلحة، وتشكيل مجموعات قبلية أخرى مثل درع السودان» وكتائب العمل الخاص»، في مشهد يعكس تعدد مراكز القوة المسلحة.
ويرصد التقرير أن التمدد الحالي للحرب في ولايات الجزيرة ودارفور وكردفان لا يبدو صدفة عسكرية، بل نتيجة تراكمات طويلة من سياسات شحن المكونات الاجتماعية بالعداء.. ففي دارفور، تحولت الحرب إلى صراعات ذات طابع عرقي، تغذّت بالسلاح الذي وُزّع خلال سنوات النظام السابق.
أما في الجزيرة والشرق والشمال والوسط، فيتم، وفق محللين، استغلال معاناة المدنيين لدفعهم نحو “المقاومة الشعبية” المسلحة، وهي خطوة يراها البعض محاولة لإشعال حرب أهلية شاملة تعيد تشكيل المشهد السياسي أو تدفع البلاد نحو مزيد من الانهيار.
ويكمن خطر تجربة الحركة الإسلامية، وفق هذا الطرح، ليس فقط في استيلائها على السلطة، بل في «هندسة» مجتمع مثقل بالصراعات. فقد خلّفت وراءها جيشاً مُسيّساً، وميليشيات متعددة، ومجتمعات محلية مدججة بالسلاح، ما يجعل طريق السلام في السودان يمرّ حتماً عبر تفكيك هذا الإرث المعقّد من هندسة الحروب.
على امتداد ثلاثة عقود، لم تكن تجربة الإسلاميين في الحكم مجرد مشروع سياسي أخفق في تحقيق وعوده، بل تحولت، وفق كثير من التقارير والشهادات، إلى منظومة حكم قامت على الإقصاء والعسكرة وتسييس مؤسسات الدولة. فقد ارتبطت تلك المرحلة بحروب طويلة، وانتهاكات واسعة، وتفكيك متعمّد للبنية المهنية للدولة، مقابل تمكين شبكات الولاء الحزبي والأيديولوجي.
وخلفت تلك السياسات إرثاً ثقيلاً من الصراعات المسلحة، والميليشيات المتعددة، والانقسامات الاجتماعية الحادة، فضلاً عن اقتصاد منهك ومؤسسات فاقدة للاستقلالية.. ومع اندلاع الحرب الحالية، بدت آثار تلك السنوات واضحة في هشاشة الدولة وتعدد مراكز السلاح والقرار.
إن قراءة هذا التاريخ ليست مجرد استعادة للماضي، بل محاولة لفهم جذور الأزمة السودانية الراهنة. فبدون تفكيك منظومات التمكين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية ووطنية، سيظل شبح تلك الحقبة ماثلاً، يعرقل أي مشروع حقيقي للسلام والاستقرار في السودان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.