دولة البراؤون

​بقلم: محمد الحسن أحمد

في مدينة دنقلا شمالي السودان، يواجه الدكتور أحمد شفا تهمًا بالمادتين (62): التسبب في إثارة شعور التذمر بين أفراد القوات النظامية، أو تحريض أحد أفرادها على الامتناع عن تأدية واجبه، أو ارتكاب ما يخل بالنظام. و(69): الإخلال بالسلام العام، أو القيام بفعل يُقصد به -أو يُحتمل أن يؤدي إلى- الإخلال بالسلام العام أو الطمأنينة العامة، وكان ذلك في مكان عام.
​ويعود أصل القضية إلى نقاش عابر حول “كتيبة البراء بن مالك” الإسلاموية دار داخل صيدلية الدكتور المذكور؛ ليتم رفع دعوى قضائية، ومن ثم القبض عليه وإيداعه الحراسة، وقبل ذلك التشهير به بإعلانه “متهمًا هاربًا” وهو لم يفارق المدينة، ومن ثم تصويره في مقطع فيديو داخل قسم الشرطة مصحوبًا بأناشيد الكتيبة التي عُرفت بانتهاكاتها ضد المدنيين في أجزاء واسعة من مناطق سيطرة الجيش.
​جملة اعتلالات وتجاوزات خطيرة صاحبت القضية؛ أولها أن الشخص الذي كان طرفًا في النقاش مع الدكتور “المتهم” -وهو “كوز” صدئ- والشاكي في آن واحد، تحول بقدرة قادر إلى “شاهد اتهام” في المحكمة! ثم من ذا الذي يعتبر ميليشيا البراء بن مالك قوة نظامية؟! إلا أن يكون ذلك في خيال النيابة والمحكمة، وبالطبع ذلك في يقين “الكيزان”؛ فالدولة وما فيها ملك لهم، يعبثون وينهبون ويدمرون ما طاب لهم أنَّى شاؤوا.
​ثم تأتي المفارقة الأخيرة في مادة “الإخلال بالسلام العام أو القيام بفعل يُقصد به أو يُحتمل أن يؤدي إلى الإخلال بالسلام العام أو الطمأنينة العامة وكان ذلك في مكان عام”، حيث إن النقاش الذي صار جريمة في عُرف الكيزان دار داخل صيدلية الدكتور المتهم، أي في مكان خاص ومحدود ومغلق.
​القصة أعلاه، مصحوبةً بالحكم على مواطن بالسجن المؤبد بمدينة ود مدني بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع -وهي المدينة التي يغص سجنها ومعتقلاتها بالآلاف مع محاكمات تعسفية جزافية يتعرض لها شباب أحيوا ذكرى ثورة ديسمبر- تكشف بعضًا من سوءات أفاعيل الحركة الإسلامية التي أعاد الله إليها “ألقها” -بحسب شيخهم عبد الحي يوسف- عبر هذه الحرب العبثية.
​من المؤكد أن الحركة الإسلامية خلال سنوات حكمها المشؤومة عمدت إلى الجهاز القضائي فجعلته قاعًا صفصفًا، إلا من بعض إشراقات ووقفات لثلة من القضاة حفظت للقضاء بعضًا من ماء وجهه، غير أن النسخة الحديثة من نظام الإسلامويين قضت حتى على تلك الثلة، فأصبحت المحاكم منصة لتصفية حساباتهم مع المختلفين معهم رأيًا، فما بالك بالمعارضين؟
​مما لا شك فيه أن تسييس القضاء من أخطر الآفات التي قد تصيب الدولة الحديثة؛ لأنه يضرب الركيزة الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات وهي العدالة. عندما يتحول القضاء من سلطة مستقلة إلى أداة في يد السياسيين، يفقد المجتمع صمام الأمان الذي يحمي الحقوق والحريات. فمحاكم “العدالة” التي غضت الطرف وجعلت أصابعها في آذانها حينما كانت عناصر “البراؤن” يمارسون القتل ذبحًا وإغراقًا ويمثلون بجثث القتلى، تبدو شديدة الحساسية سريعة الاستجابة تجاه كل ما يهدد نظام الحركة الإسلامية أو يعيق عودتها المتخيلة، ولو كانت “كلمة صدق” في باحة مسجد أو خلف باب مغلق

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.