مليشيا الجيش

د التوم حاج الصافي زين العابدين.خبير علاقات دولية .نيويورك

لم يكن صراخهم الهستيري ضد هيكلة القوات المسلحة دفاعاً عن الجيش، بل دفاعاً عن جريمتهم. فكل من طالب بجيش وطني مهني واحد، خالٍ من المليشيات والولاءات التنظيمية، وُصم فوراً بالعمالة والخيانة والتآمر. لم يكن ذلك لأن الفكرة خاطئة، بل لأنها تكشفهم عراة أمام شعب يعرف اليوم – أكثر من أي وقت مضى – من الذي فكك الجيش فعلاً.
الحقيقة التي حاولوا دفنها تحت ركام التخوين بسيطة وواضحة:
الكيزان هم من فككوا الجيش، لا من طالبوا بهيكلته.
على مدى ثلاثة عقود من حكمهم المأفون، لم يتركوا في المؤسسة العسكرية حجراً على حجر. دمّروا العقيدة المهنية، أفسدوا سلم القيادة، حوّلوا الجيش من مؤسسة وطنية إلى أداة تنظيمية، ثم استخدموا اسمه ستاراً لنهب السلطة والثروة. كل ذلك جرى تحت شعار “حماية الجيش”، بينما كانوا في الواقع يفرغونه من محتواه ويقصقصون أجنحته عمداً.
في المقابل، بنوا مليشياتهم العقائدية، سلحوها بأحدث الأسلحة، ومنحوها المال، والنفوذ، والحصانة. النتيجة الفاضحة أمام أعين الجميع:
مليشيات تملك مسيّرات وأسلحة نوعية، وجيش دولة يُترك ضعيفاً، مخترقاً، بلا قرار.
مليشيا مثل “البراء بن مالك” أصبحت أقوى تسليحاً وتأثيراً من وحدات نظامية كاملة، بينما الجيش الذي يتشدقون باسمه يُهان، ويُستنزف، ويُزج به في معارك بلا رؤية ولا حماية للمدنيين.
أي خيانة أعظم من هذه؟
وأي وقاحة أكثر من أن يتهموا دعاة الإصلاح بتفكيك الجيش، وهم الذين مارسوا التفكيك الحقيقي حرفياً وبدم بارد؟
ما تعرض له الجيش السوداني في عهد الكيزان ليس مجرد فشل إداري أو ضعف عابر، بل جريمة مكتملة الأركان. جريمة بحق ضباط وجنود جُرّدوا من جيشهم الحقيقي، وبحق شعب خُدع بشعارات القوة والسيادة، بينما كانت المؤسسة تُذل من الداخل وتُسلّم مفاتيحها لمليشيات التنظيم.
اليوم، حين يقاتلون بضراوة، فهم لا يقاتلون من أجل وطن، ولا من أجل جيش، ولا من أجل سيادة. هم يقاتلون كي لا يُعاد بناء الجيش، كي لا تُكشف ملفات الفساد، كي لا تنهار الأسطورة التي عاشوا عليها ثلاثين عاماً. يقاتلون من أجل أن يظل الجيش ضعيفاً، تابعاً، مختطفاً، لأن جيشاً قوياً ومهنياً لا مكان فيه للكيزان.
لهذا يخافون من كلمة “هيكلة”.
لهذا يشيطنونها.
ولهذا يكذبون بلا خجل.
الهيكلة التي يهاجمونها ليست تفكيكاً، بل إنقاذ أخير. إنقاذ لجيش دُمّر باسم الدين، وبيع باسم الوطن، واستُخدم كدرع لمليشيات التنظيم.
أما التفكيك الحقيقي، فقد أنجزوه هم، سلاحاً، وقراراً، وولاءً.
الخلاصة التي لا يريدون سماعها، لكن التاريخ سيكتبها بدم واضح:
الجيش لم يُهَن إلا حين حكمه الكيزان، ولم يُضعف إلا حين احتكروه، ولم يُخن إلا حين حوّلوه إلى ظلّ لمليشياتهم.
ومن يقاتل اليوم ليبقي هذا الجيش على حاله من الهوان،
لا يقاتل من أجل السودان، بل من أجل استمرار الجريمة

 

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.