تأسست الخطوط الجوية السودانية في عام 1947، كواحدة من أعرق شركات الطيران في المنطقة العربية والأفريقية، حتى أنها ساهمت يوماً في وضع لبنات الطيران الإثيوبي الذي يحلق اليوم في أعالي الأجواء العالمية. ولكن، وبينما تطير الشركات المنافسة، تقبع “سودانير” تحت وطأة “لعنة الفساد” التي بدأت بفضيحة بيع “خط هيثرو” الشهيرة، وتضخمت اليوم في زمن الحرب لتتحول إلى عملية خنق ممنهجة تمنع عودة طائرتها “اليتيمة” من طراز “إيرباص 320” إلى العمل.
تشير المعطيات إلى أن بوادر التآمر بدأت منذ عام 2023، وتحديداً مع اتفاقيات أبرمت في جدة والقاهرة شابتها أخطاء قانونية وإدارية فادحة. الطائرة التي غادرت الخرطوم في أول أيام الحرب وعادت من منتصف الطريق لتستقر في جدة ثم القاهرة، خضعت لاتفاقية تأجير مثيرة للجدل مع شركة “النيل المصرية” المملوكة لوكيل سودانير في السعودية، بواقع 2500 دولار للساعة، وسط صراعات تقنية وإدارية بين المهندسين والقائمين على المشروع، مما أضاع على الشركة فرصاً ذهبية للاستفادة من أسطولها الوحيد في وقت كانت الحاجة فيه للناقل الوطني في ذروتها.
المفارقة الصارخة تكمن في ملف “التأمين” الذي يبدو أنه صُمم خصيصاً لعجز سودانير. فبينما كانت الشركة تؤمن سابقاً لدى شركة “شيكان” الحكومية، صدر قرار من وزارة المالية بمنع التعامل معها، ليتحول ملف التأمين إلى شركة “الشرق الأوسط” التي يرأس مجلس إدارتها “أبوشعيرة”، وهو نفسه المساهم الأكبر في شركتي “بدر” و”تاركو” المنافستين. وهنا تظهر عقدة المصالح؛ حيث فُرضت رسوم تأمين على سودانير بلغت 150 ألف دولار للسفرية الواحدة، في حين تدفع الشركات المنافسة 70 ألف دولار فقط لليوم الواحد، وهي مبالغ تعود في النهاية لجيوب أصحاب تلك الشركات، مما جعل عودة سودانير مستحيلة اقتصادياً أمام هذا الفارق المهول.
التحليل الواقعي لما يحدث داخل أروقة سودانير يشير إلى وجود تحالف مصلحي يضم أسماء نافذة في وزارة المالية وإدارة الشركة، يهدف إلى إبقاء الناقل الوطني مشلولاً لإخلاء الساحة تماماً لشركات القطاع الخاص. التبريرات التي تسوقها شركات التأمين حول مخاطر مطار بورتسودان تدحضها حقيقة أن سودانير كانت تعمل في ذات المطار قبل الحرب دون عوائق تقنية. إن هذا المشهد الذي يسيطر عليه “أبوسن وجبريل وأبوشعيرة” يضعنا أمام تساؤل مشروع: هل تهدف هذه الممارسات إلى دفع سودانير نحو “البيع” أو التصفية النهائية؟ خاصة مع وجود تصريحات صادمة لبعض المتنفذين بأن عودة سودانير للعمل ستجعل المنافسين “يبيعون الجرايد”، وهو ما يفسر الاستماتة في تعطيل عودة “اليتيمة” إلى المدرج.
نواصل
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.