عودة «أحمد المهدي».. هل تسعى «حكومة بورتسودان إلى شق الكيان بتنصيبه إمامًا للأنصار؟
تقرير: عين الحقيقة
في ظل غياب القيادات السياسية عن المشهد السياسي المتلبّد بالغيوم، وخروجها من السودان بعد التضييق عليها بسبب مواقفها من الحرب، ما زالت سلطة بورتسودان تسعى جاهدة لانتهاز الفرص لشق صفّ القوى السياسية وتسويق قيادات جديدة لتكون بديلة ومتوافقة مع نهج نظام الإنقاذ، الذي نجح سابقًا في تفتيت القوى المناوئة.
ويُعد حزب الأمة القومي وكيان الأنصار عمومًا من أكثر الكيانات التي تعرّضت للتفتيت، إذ نجح النظام البائد في شق حزب الأمة إلى أكثر من عشرة أجنحة.
ومنذ بداية الحرب، وعلى ذات نهج النظام البائد، حاولت سلطة بورتسودان التقرب من حزب الأمة ليكون داعمًا لها، وعندما استعصى ذلك، احتوت بعض قياداته، ممثّلة في نائب الرئيس محمد عبد الله الدومة الذي اعتمدته رئيسًا مكلّفًا للحزب، ثم اتجهت مؤخرًا إلى دعم نجل الإمام الراحل الصادق المهدي، عبد الرحمن، تمهيدًا للعب دور بارز داخل الحزب. وبعد فشل هذه المحاولات، اتجهت سلطة الأمر الواقع إلى استدعاء أحمد المهدي لفرضه إمامًا للأنصار، رغم أن الرجل يحظى بقبول ضعيف وسط قواعد الأنصار.
ووصل أحمد المهدي من كندا هذا الأسبوع، حيث استُقبل في مطار بورتسودان، وأُقيم له استقبال رسمي إلى جانب عقد لقاءات سياسية.
ويرى مراقبون أن خطوة الاستعانة بالإمام أحمد لن تنجح، وأن استخدامه كـ«ضرار» لن يجدي نفعًا في كسب ولاء كيان الأنصار، الذي عبّر بوضوح عن رفضه للحرب والوقوف إلى جانب الأنظمة الديكتاتورية. كما أن مواقفه التاريخية ورصيده السياسي لا يتناسبان مع الدور الذي خُطط له وأُوكل إليه.
وفي احتفال استقباله ببورتسودان، أعلن أحمد المهدي، الذي وصفته وكالة سونا بزعيم الأنصار، تأييده لحكومة بورتسودان ودعمه للجيش، داعيًا القوات المسلحة إلى مواصلة ما أسماه «الجهاد والنضال» لتطهير الوطن من الخيانة والتمرد.
وأثارت تحركات أحمد المهدي حفيظة بعض قيادات الأنصار، وسط ترقّب واسع لخطواته في بورتسودان، حيث عقد لقاءات مع قوى سياسية متحالفة مع الجيش، كما التقى بحاكم دارفور المعيَّن من قبل سلطة بورتسودان، مني أركو مناوي.
وقال مساعد رئيس حزب الأمة القومي لشؤون الشباب، عروة الصادق المهدي، إن محاولات سلطة بورتسودان لتسويق شخصية «إمام» مصنوعة على المقاس السياسي تعكس سلوك الأنظمة الأحادية في تفكيك الممسكات الوطنية عبر اختراق الكيانات الجامعة وتحويل الرموز إلى أدوات ضبط اجتماعي. وأضاف أن كيان الأنصار وحزب الأمة القومي يمثلان عمودين من أعمدة التوازن الوطني، واستهدافهما هو استهداف لفكرة السودان الجامعة قبل التنظيم ذاته.
وأكد عروة الصادق في حديثه لـ«عين الحقيقة» أن كل مشروع استبداد يبدأ بإضعاف الحواضن التاريخية التي تحفظ وحدة المجتمع، ثم يفتح الطريق لتفتيت البلاد إلى ولاءات صغيرة يسهل التحكم فيها.
وشدد على أن شرعية قيادة الأنصار قائمة على أصلين راسخين: أصل عام من كتاب الله، وأصل خاص من تراث الدعوة. فالأصل العام محكمته النص القرآني: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، حيث تُعد الشورى معيارًا شرعيًا ملزمًا يقطع الطريق أمام التعيين القسري والتسويق الفوقي. وقد جسّد الأنصار هذا الأصل عمليًا عبر انتخاب الإمام والأمين العام ومجلسي الشورى والحل والعقد بمؤتمر السقاي عام 2000م، وفق إجراءات شوروية ومؤسسية معروفة، فأصبحت الإمامة وظيفة مقيّدة بالعهد والدستور والاختيار الجماعي، وليست بطاقة تعريف تُوزَّع عبر منصات السلطة.
وأضاف مساعد رئيس حزب الأمة القومي أن الأصل الخاص يستند إلى قول الإمام المهدي عليه السلام في وصف القيادة: «من تقلّد بقلائد الدين ومالت إليه قلوب المؤمنين»، أي قيادة تُكتسب بالتجرد والخدمة والاستقامة والجهاد والاجتهاد. ويعضد ذلك معيار الدعوة في صفات المتقدّم للقيادة: أعلى الناس همة، أوفاهم ذمة، أوفرهم إيمانًا. ثم تأتي وصية الإمام الصديق فاصلة جامعة: «الإمام ينتخبه الأنصار»، فكل مسار يفضي إلى تشقيق الصف وتغييب الشورى ووأد الوصية وتوزيع القلوب على محاور السلطة يخرج عن جوهر الإمامة كما قررته الدعوة.
ويرى عروة أن المشهد العبثي الراهن يكشف أدوات ضغط سياسي متكررة، من ابتزاز عبر مسارات جنائية أو قضايا في محاكم الأحوال الشخصية، إلى إغراء بالمكاسب والمناصب، وتدوير أفراد بوصفهم «حصان طروادة» داخل النسيج الاجتماعي الأنصاري للتعبئة لصالح معسكر الحرب.
وقال إن هذه الأساليب تستهدف الأفراد، بينما الأنصار جماعة عهد وبيعة ومؤسسة، مؤكدًا أن «التفاوض مع الأفراد يضعف أمام صلابة البناء القائم على الروح والميثاق والتنظيم والبيعة المبصرة».
وأضاف أن الإمامة عند الأنصار تحققت بمعناها المعنوي عبر سلسلة الأئمة، وترسخت مع آخرهم الإمام الصادق المهدي، واستمرت الدعوة في الصدور والسلوك قبل النصوص، حتى صارت «أناجيل الأنصار في صدورهم، وبيعتهم في أعناقهم»، وأن أي محاولة لاستبدال هذا العهد بعرض السلطة تصطدم بحقيقة أن البيعة ليست عقد منفعة، وإنما ميثاق دين ومعنى وسلوك.
وأكد عروة أن كيان الأنصار محروس بالشورى، ومحصّن بالعهد، وقائم على مؤسسات وقيادات منتخبة، ومستند إلى تراث دعوي يعرّف الإمامة بوظيفتها الجامعة لا بلقبها، ويزن القيادة بميزان الاستقامة والخدمة ووضع القبول في القلوب.
وفي مقال كتبه بشرى الصادق المهدي ردًا على تحركات شقيقه أحمد المهدي، أشار إلى أن الإمام الصادق المهدي سار على نهج خليفتيه الصديق والهادي، اللذين قارعا نظامين ديكتاتوريين باطشين «عبود ونميري»، وسُمِّيا إمامين لقوة المنصب وتوحيد الجبهة الوطنية. وأضاف أن الإمام الصادق تولّى مسؤولية الأنصار فعليًا بعد استشهاد الإمام الهادي عام 1970م، ورغم إلحاح الأنصار عليه لبيعته إمامًا، كان يرفض حتى أبرم معهم عهدًا في الثمانينيات، وسُمّي بـ«صاحب العهد».
وأشار بشرى إلى أن نظام الإنقاذ خطط عام 2002م لمؤامرة باستخدام «مخالب قط» بتسمية أحد أفراد آل المهدي رئيسًا لحزب الأمة وآخر إمامًا للأنصار، ما أثار غضب الأنصار ودفعهم للإصرار على ملء مقعد الإمامة عبر المؤسسات.
وأوضح أن مؤتمر هيئة شؤون الأنصار الأول بالسقاي عام 2002م انتخب الإمام الصادق المهدي إمامًا للأنصار، وشكّل مؤسسات الشورى والحل والعقد، مؤكدًا أن حق تسمية الإمام هو حق تنظيمي لجماعة الأنصار عبر مؤسساتها.
واستدرك قائلاً إن الإمامة لا تكون ذراعًا لسلطة طارئة، لأنها إذا خضعت للسياسة فقدت وظيفتها كوسيلة للهداية، ولا يحق لأي فرد أو جهة تنصيب نفسها أو غيرها إمامًا للأنصار.
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح محاولات سلطة بورتسودان في تسويق «إمام» مصنَّع سياسيًا، أم تنتهي هذه المحاولة كما سابقاتها أمام صلابة كيان الأنصار؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.