عبد الباسط حمزة… ماكينة غسيل أموال الإخوان في السودان: خلف أكثر من عشرين شركة

بروفايل: عين الحقيقة

بعد مغادرة بن لادن السودان، آلت أمواله إلى الحركة الإسلامية السودانية بصورة مباشرة، تحت إشراف ضابط الأمن السابق عبد الباسط حمزة، الذي جرى تقديمه للرأي العام المحلي والدولي كشخصية اقتصادية واستثمارية وميسّر مالي. شرع عبد الباسط في تدوير تلك الأموال عبر تأسيس شركات خاصة حظيت بتسهيلات إجرائية وإعفاءات ضريبية وجمركية، ونشطت في مجالات متعددة، أبرزها: التكنولوجيا والاتصالات، والإنشاءات، والتعدين، والطرق والجسور، والسياحة، والاستيراد والتصدير.

رغم أنه لم يأتِ من أسرة ثرية، ولم يُعرف له نشاط اقتصادي يُذكر قبل ارتباطه ببن لادن، فقد نجح خلال سنوات قليلة في تأسيس نحو خمسٍ وعشرين شركة، برؤوس أموال تجاوزت خمسين مليون دولار..

ورغم أنه لم يأتِ من أسرة ثرية، ولم يُعرف له نشاط اقتصادي يُذكر قبل ارتباطه ببن لادن، فقد نجح خلال سنوات قليلة في تأسيس نحو خمسٍ وعشرين شركة، برؤوس أموال تجاوزت خمسين مليون دولار، وهو ما يطرح سؤالاً محورياً: من أين جاءت هذه الأموال؟ بدأت ملامح الإجابة تتكشف عقب سقوط نظام البشير بثورة ديسمبر. ولتوضيح العلاقة بين عبد الباسط وبن لادن، لا بد من تتبّع مسار تأسيس الشركات بالتوازي مع فترة وجود بن لادن في السودان. فقد وصل الأخير إلى البلاد عام 1991م، وكُلّف عبد الباسط بتوجيه من حسن الترابيب ملازمته وإدارة أعماله الاقتصادية، في اختيار لم يكن عشوائياً، بل جاء ضمن ترتيبات توظيف تلك الموارد لصالح التنظيم.

وبحسب صفحة «أسرار السودان»، برز عبد الباسط كأحد أبرز مديري الشبكات المالية المرتبطة بالحركة الإسلامية، معتمداً على تأسيس شركات جديدة وتحريك الأموال عبرها، إلى جانب التلاعب في هياكل الملكية، حيث سُجِّلت بعض الشركات بأسماء مقرّبين منه، مثل شقيقه الغزالي حمزة الحسين، أو ابنه محمد عبد الباسط، بل امتد ذلك ليشمل أفراداً آخرين من العائلة.

في أغسطس 1992، وبعد عام من ملازمته لبن لادن، أسس شركة «الزوايا للمقاولات المحدودة»، التي عملت في إنشاء الطرق الداخلية كنشاط معلن، بينما تشير معطيات إلى استخدامات مالية أخرى سيتم تناولها لاحقاً في هذه السلسلة. بلغ رأس مال الشركة مليون دينار سوداني (ما يعادل نحو مليون دولار آنذاك)، وامتلك عبد الباسط أكثر من 50% من أسهمها. وفي عام 1998، وبعد مغادرة بن لادن السودان، أسس شركة «جبل ابن عوف المحدودة» برأس مال بلغ 50 مليون دينار سوداني (نحو 3.7 مليون دولار)، كما أسس في العام ذاته شركة «تاتا سيرفس الهندسية المحدودة» برأس مال مماثل، وامتلك فيها أكثر من 60% من الأسهم.

وفي عام 1999، ورغم الركود الاقتصادي الناتج عن العقوبات الأمريكية والحرب في جنوب السودان، شهدت أعمال عبد الباسط توسعاً لافتاً، حيث أسس شركة «وداي الهواوير للزراعة والاستثمار المحدودة» برأس مال بلغ 150 مليون دينار سوداني (حوالي 11.8 مليون دولار).

هذا التوسع المتسارع يثير تساؤلات جوهرية حول مصادر التمويل، في ظل بيئة اقتصادية متدهورة. وفي عام 2000، واصل نشاطه بتأسيس شركة «هايكوم للاتصالات والإلكترونيات المحدودة» برأس مال أقل نسبياً بلغ نحو 300 ألف دولار، متجهاً نحو قطاع الاتصالات وتقنيات المعلومات، قبل أن يعاود رفع حجم الاستثمارات في السنوات التالية. وفي عام 2002، أسس شركة «الزوايا للخدمات المحدودة» العاملة في مجال التعدين، برأس مال نصف مليون دولار، امتلك منها 51%.

كما شهد العام نفسه نشاطاً مكثفاً، حيث أسس شركة «قبس الزوايا المحدودة» برأس مال 80 مليون دينار سوداني (حوالي 4.7 مليون دولار)، وشركة «لاري كوم للاستثمار المحدودة» برأس مال 100 مليون دينار (حوالي 5 ملايين دولار)، إلى جانب شركة «الزوايا للخدمات الطبية المحدودة» برأس مال 5 ملايين دينار (حوالي 250 ألف دولار)، والتي عملت في مجال الأدوية والمعدات الطبية. ويعكس هذا التوسع الكثيف في تأسيس الشركات نمطاً مالياً يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة تدفقات الأموال وآليات إدارتها خلال تلك الفترة.

لا تبدو قصة عبد الباسط حمزة مجرد صعود رجل أعمال في بيئة مضطربة، بل تمثل نموذجاً لتداخل المال بالسياسة والتنظيم إبان حكم نظام الحركة الإسلامية لثلاثين عاماً، حيث تحولت الشركات من أدوات استثمار إلى واجهات محتملة لإدارة شبكات مالية معقدة.

هذا الواقع يطرح أسئلة تتجاوز الأسماء والتواريخ: كيف تشكّلت هذه الشبكات؟ من وفّر لها الحماية؟ ولماذا استمرت رغم التحولات السياسية والاقتصادية؟ الإجابة لا تتعلق بالماضي فحسب، بل تمتد إلى مستقبل العدالة الاقتصادية، وإلى قدرة الدولة على تفكيك بنى التمكين المالي التي أعادت إنتاج نفسها بأشكال جديدة. فالقضية، في جوهرها، ليست قضية فرد، بل منظومة كاملة لا تزال آثارها ممتدة، وتنتظر تحقيقاً أعمق ومساءلة لا تستثني أحداً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.