ما بين صرخة الهامش الأولى وضجيج الحسابات المتخمة، تمتد مأساة دارفور كحكايةٍ كُتبت بالدم، بدأت قضيةً عادلة وانتهت سلعةً في سوق المقاولة الرخيصة ( المال مقابل البندقية).
لم تكن العلة في المطالب، بل في مآلاتها؛ إذ تحوّل الإقليم إلى ساحةٍ لتقاطع المصالح، وتكاثرت الفصائل وتناسلت الحركات حتى تآكلت روح القضية، وغدت مجرد لافتةٍ للارتزاق الرخيص.
ومع خفوت وهج العدالة، برز أمراء الحرب يديرون الفوضى ويقتاتون من النزاعات، يبيعون المرتزقة وحملة السلاح عبر الحدود ويتركون أهلهم نهباً للنزوح والجوع في معسكرات تفتقر للحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
إنها معادلةٌ قاسية: يُقبض الثمن في الخارج حسابات امتلأت حد التخمة بالدولار الحرام ويُدفع المقابل ارواحا بريئة في القرى المنسية.
واليوم، في أتون الحرب السودانية، بلغ الارتزاق ذروته الفجة؛ إذ لم تعد بعض الحركات تخفي مطالبها، بل تطرحها بوضوحٍ لا لبس فيه: نصيبٌ مباشر من السلطة، وحقائب سيادية بعينها كالمالية والتعدين بل وفرض وزراء بعينهم بعد أن ظهر للناس فشلهم وفسادهم وإلا فإن “الأيدي ستُطلَق” وطبول الحرب ستُقرَع، بل ويُلوَّح بإشعال العاصمة نفسها.
هكذا يُختزل الوطن في صفقة، وتُختزل السياسة في معادلة: سلطةٌ ومال مقابل السلاح.
نحن على أعتاب مواجهةٍ خطرة، ( الكرامة 2) معادلتها شعبٌ مشرّد، وجيشٌ مشتت بين الجبهات السخنة وحركاتٌ تترصد.
والخطر الأعمق ليس في العدو الظاهر الان فالدعم السريع قد يتحول إلى ماضي، بل الخطر في “البندقية المأجورة” التي قتلت القضية الدارفورية وحوّلتها إلى ابتزازٍ وارتزاق مكشوف.
فهل يفيق الضمير الإنساني لأمراء الحرب وسماسرة الدماء قبل أن يُحرق ما تبقى من وطن؟
Prev Post
تقرير: إلغاء البرهان لقرارات “تفكيك التمكين” مكّن الإخوان من تمويل الحرب وإطالة أمدها في السودان
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.