لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في نيسان (أبريل) 2023 مجرد صدام عسكري بين جنرالين على سلطة متوهمة، بل كانت، في عمقها الاستراتيجي، الانفجار الذي خططت له ورعته جماعة الإخوان المسلمين في السودان “المعروفة محلياً بالكيزان” للعودة إلى المشهد السياسي من وراء غبار المدافع. بالنسبة إلى الإخوان، لم تكن ثورة كانون الأول (ديسمبر) 2018 مجرد سقوط لنظام عمر البشير، بل كانت حكماً بالإعدام التاريخي على مشروع “التمكين” الذي دام ثلاثة عقود.
لذا، فإنّ إعاقة أيّ حل سياسي للأزمة السودانية اليوم ليست مجرد مناورة، بل هي معركة وجودية؛ فالجماعة تدرك أنّ استعادة السلام تعني بالضرورة العودة إلى استحقاقات التحول الديمقراطي، والمحاسبة القانونية، وتفكيك بنية الدولة العميقة، وهي أثمان لا يستطيع التنظيم دفعها إذا أراد البقاء.
استراتيجية “التمكين العسكري”: اختطاف قرار القوات المسلحة
تُعدّ السيطرة على “القرار العسكري” الركيزة الأولى التي يستخدمها الإخوان لإعاقة الحل، فعلى مدار ثلاثين عاماً نجح التنظيم في “أدلجة” قطاعات واسعة من ضباط الجيش السوداني، محولاً العقيدة العسكرية من حماية الدستور إلى حماية التنظيم. اليوم، يتجلى هذا التغلغل في قدرة الكوادر الإخوانية داخل هيئة القيادة والأجهزة الاستخباراتية على توجيه مسار الحرب ومنع أيّ تقارب بين الجيش والقوى المدنية أو حتى الخصوم العسكريين.
الإخوان يعملون كـ “كوابح” حقيقية داخل المؤسسة العسكرية؛ فكلما برزت بارقة أمل في مفاوضات (جدة) أو (المنامة)، تحركت “خلايا التمكين” داخل الجيش لإفشالها، إمّا عبر التصعيد الميداني المفاجئ، وإمّا عبر ممارسة ضغوط هائلة على القيادة العسكرية وتخوين كل من ينادي بوقف الحرب.
الإخوان يعملون كـ “كوابح” حقيقية داخل المؤسسة العسكرية؛ فكلما برزت بارقة أمل في مفاوضات (جدة) أو (المنامة)، تحركت “خلايا التمكين” داخل الجيش لإفشالها، إمّا عبر التصعيد الميداني المفاجئ، وإمّا عبر ممارسة ضغوط هائلة على القيادة العسكرية وتخوين كل من ينادي بوقف الحرب. هذا الاختطاف يجعل من الجيش السوداني، في نظر الكثيرين، رهينة لأجندة تنظيمية ترى في استمرار نزيف الدم وسيلة وحيدة لمنع تشكيل حكومة مدنية تستبعدهم في المستقبل.
“كتائب الظل”: الميليشيات المؤدلجة وفرض الأمر الواقع
لا يعتمد الإخوان في إعاقة الحل على الثقل السياسي فحسب، بل على ذراع عسكرية موازية باتت تقاتل علانية اليوم تحت مُسمّى “كتيبة البراء بن مالك” وغيرها من “المقاومة الشعبية”. هذه الميليشيات المؤدلجة، التي تشكلت من كوادر الأمن الشعبي وطلاب الحركة الإسلامية، تمثل العائق الأكبر أمام أيّ وقف لإطلاق النار.
خطورة هذه الكتائب تكمن في أنّها لا تأتمر بأمر القيادة العسكرية الرسمية للجيش إلا في إطار التنسيق الميداني، بينما مرجعيتها العليا تظل “الحركة الإسلامية”. ومن هنا، فإنّ أيّ اتفاق يوقعه الجيش لوقف الحرب سيصطدم برفض هذه الميليشيات التي ترى في السلام “خيانة لدماء الشهداء”، كما تروّج في خطابها التعبوي.
وبذلك نجح الإخوان في خلق حالة من “تعدد مراكز القرار العسكري”، بحيث أصبح من الصعب على أيّ وسيط دولي أو إقليمي الوثوق في قدرة الجيش على تنفيذ التزاماته، طالما أنّ “كتائب الظل” تملك القدرة على إشعال الجبهات في أيّ لحظة لتعطيل المسار السياسي.
خطاب التخوين: صناعة “العدو” لعرقلة المسار المدني
يمارس الإخوان دوراً تخريبياً في المجال العام عبر آلتهم الإعلامية الضخمة التي تستهدف بشكل ممنهج القوى المدنية الديمقراطية، مثل تنسيقية “تقدم”. وتعتمد الاستراتيجية الإخوانية على “شيطنة” دعاة السلام وتصويرهم كـ “ظهير سياسي” لقوات الدعم السريع، في خلط متعمد للأوراق يهدف إلى عزل الشارع عن أيّ خيار ثالث بعيداً عن طرفي الصراع.
نجح الإخوان في خلق حالة من “تعدد مراكز القرار العسكري”، بحيث أصبح من الصعب على أيّ وسيط دولي أو إقليمي الوثوق في قدرة الجيش على تنفيذ التزاماته، طالما أنّ “كتائب الظل” تملك القدرة على إشعال الجبهات في أيّ لحظة لتعطيل المسار السياسي.
هذا الخطاب التخويني يعيق الحل، لأنّه يرفع تكلفة المطالبة بالسلام؛ فأيّ شخصية وطنية أو كيان سياسي يدعو إلى الحوار يُواجه بـ “سياط” الإعلام الإخواني التي لا تتورع عن استخدام تهم العمالة والخيانة. إنّ الهدف النهائي هو سد الآفاق أمام أيّ كتلة مدنية يمكن أن تقود مرحلة انتقالية، وبقاء المعادلة صفرية: إمّا انتصار الجيش “الذي يضمن عودة الإخوان”، وإمّا استمرار الحرب حتى الفناء، وهو ما يجعل مساحات التسوية السياسية تضيق يوماً بعد يوم.
“علي كرتي” وشبكات المصالح: الرؤوس المدبرة في الظل
خلف الستار تبرز قيادات الحرس القديم، وعلى رأسها “علي كرتي” المطلوب دولياً والخاضع للعقوبات، بصفته المهندس الرئيسي لعمليات التعطيل. تدير هذه القيادات شبكة معقدة من المصالح المالية والاقتصادية التي نمت في ظل نظام البشير، وهي تدرك أنّ أيّ حل سياسي سيتضمن “تفكيك نظام الثلاثين من يونيو” واستعادة الأموال المنهوبة.
لذا، فإنّ إعاقة الحل للأزمة السودانية هي بالنسبة إلى هؤلاء دفاع عن “إمبراطورية مالية” تمتد من قطاعات الاتصالات إلى الذهب والبنوك. ويستخدم هؤلاء نفوذهم المالي لتمويل العمليات العسكرية وشراء الولاءات داخل القبائل والمجتمعات المحلية، لضمان استمرار الحشد خلف خيار “الحرب الشاملة”. إنّ بقاء السودان في حالة سيولة أمنية يوفر المناخ المثالي لهذه الشبكات للاستمرار بعيداً عن أعين الرقابة والقانون التي ستفرضها أيّ حكومة مدنية مستقرة.
التداعيات الإقليمية: ابتزاز الجوار بفزاعة “الإرهاب أو الفوضى”
يعيق الإخوان الحل أيضاً عبر اللعب على التناقضات الإقليمية؛ فهم يرسلون رسائل متناقضة للمحيط العربي والأفريقي. تارة يقدمون أنفسهم كحماة لمؤسسة الدولة ضد “الميليشيات المتمردة” لكسب ودّ القوى الإقليمية المتخوفة من الفوضى، وتارة أخرى يلوحون بورقة الجماعات المتطرفة واللاجئين لابتزاز المجتمع الدولي.
هذا التذبذب الإخواني يجعل الوساطات الإقليمية “مثل مبادرة الإيغاد أو الاتحاد الإفريقي” تواجه طريقاً مسدودة؛ فالإخوان يرفضون أيّ وساطة لا تضمن لهم مقعداً في السلطة أو حصانة من الملاحقة. وبما أنّ معظم المبادرات الدولية تركز على استبعاد رموز النظام البائد كشرط للاستقرار، فإنّ الجماعة تردّ بتفجير الأوضاع من الداخل، ممّا يجعل جيران السودان في حالة تردد بين الرغبة في إنهاء الحرب وبين الخوف من تداعيات غياب الجيش الذي يتغلغل فيه الإخوان.
مستقبل معلق بين “التمكين” والوطن
في المحصلة، يتبين أنّ الأزمة السودانية ليست مستعصية على الحل بسبب طبيعة النزاع التقنية، بل بسبب “الإرادة التخريبية” لتنظيم الإخوان المسلمين الذي يرى في السلام تهديداً وجودياً. إنّ الجماعة التي حكمت السودان بالحديد والنار مدة ثلاثة عقود، ترفض اليوم أن تتركه يتعافى ما لم تكن هي على رأس السلطة، أو على الأقلّ شريكة في صياغة مستقبله بما يضمن لها “الإفلات من العقاب”.
إنّ إعاقة الحل هي استراتيجية “الأرض المحروقة”؛ فإمّا أن يعود الإخوان إلى “التمكين” عبر فوهة بندقية الجيش، وإمّا ليحترق السودان بمن فيه. هذا المنطق العدمي هو الذي يجعل كل جولات التفاوض تتحول إلى مجرد “استراحات محارب” يعقبها تصعيد أكثر دموية. إنّ العائق الحقيقي أمام استعادة الدولة السودانية ليس نقص المبادرات، بل هو وجود تنظيم “عابر للحدود” يضع مصلحته التنظيمية فوق دماء الملايين من السودانيين، ويستخدم الدولة ومؤسساتها كدروع بشرية في معركته الأخيرة للبقاء. وبدون فك هذا الارتباط العضوي بين الجيش السوداني والأجندة الإخوانية، سيظل أيّ حديث عن حل سياسي مجرد حرث في البحر، وسيبقى السودان رهينة لـ “كيزان” يفضلون رؤيته حطاماً على أن يروه ديمقراطياً مستقراً.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.