السودان بين محراب الرحمة ومذابح التطرف: حيث تُرفع السكين باسم الدين

حسن عبد الرضي

في السودان، لا تتكرر المأساة صدفة، بل تُصنع على أيدي من صادروا الدين وحولوه إلى أداة قهر، ومن نزعوا عن الإنسان إنسانيته باسم الفضيلة، ثم وقفوا فوق الخراب يرددون الشعارات نفسها التي أحرقت البلاد وأذلت العباد.
ما جرى لذلك الطفل العامل أمام مسجد عبد المنعم ليس حادثة فردية، ولا مشاجرة عابرة، ولا سوء تفاهم بين إمام وصبي. ما حدث هو انعكاس صريح لمرض عميق استوطن الجسد السوداني لسنوات: مرض التطرف الذي يتغذى على الفقر والجهل والسلطة، ويمنح أصحابه شعورًا زائفًا بالتفوق الأخلاقي وهم في الحقيقة يمارسون أبشع صور الانحطاط.
أن يُطارد طفل لأنه يعمل ليكسب قوت يومه، وأن يُضرب لأنه رفض ترك رزقه، وأن يُكفَّر ضمنيًا لأنه لم يدخل الصلاة، ثم يُطرح أرضًا وتُوجَّه رقبته نحو القبلة استعدادًا لذبحه بسكين وسط تكبيرات مدروسة—فهذه ليست مجرد جريمة جنائية. هذه جريمة فكرية وأخلاقية وسياسية تكشف كيف ترعرعت جماعات متشددة في السودان تحت غطاء التدين، بينما هي أبعد ما تكون عن روح الدين.
أي دين هذا الذي يرى في طفلٍ مسحوقٍ مشروعَ ذبيحة؟ أي إيمان هذا الذي يجعل رجلاً يضع قدمه على صدر صبي أعزل ثم يكبر قبل أن يذبحه؟ وأي دعوة هذه التي تستبدل الرحمة بالسكين، والنصح بالعنف، والقدوة بالإرهاب؟
الحقيقة المؤلمة أن السودان عانى لعقود من تمدد خطاب متشدد صنع بيئة كاملة ترى في الاختلاف جريمة، وفي الفقر تهمة، وفي الضعيف فريسة سهلة. هذه الجماعات لم تأتِ من فراغ، بل نشأت في ظل ثقافة سياسية واجتماعية سمحت بخلط الدعوة بالهيمنة، والوعظ بالترهيب، والمؤسسات الدينية بالأجهزة الأمنية.
حين يحمل إمام بطاقة نفوذ لابتزاز طفل، وحين يستدعي رجالًا مدربين على العنف لا على الإصلاح، فنحن أمام شبكة ذهنية تعتبر نفسها فوق المجتمع والقانون. تلك ليست أخلاق مسجد، بل عقلية ميليشيا.
والأخطر أن مثل هذه الحوادث تكشف كيف يمكن أن يتحول المكان المقدس إلى مسرح للرعب إذا تسلل إليه من لا يعرف من الدين إلا شكله الخارجي. الجلباب القصير، واللحية، والتكبير، كلها تتحول إلى أقنعة تخفي وراءها نزعة سلطوية متوحشة.
الدين الذي جاء رحمة للعالمين لا يذبح الأطفال.
الدين الذي حمله النبي ﷺ كان يواسي الضعيف، ويحنو على الفقير، ويخفف عن العامل، لا أن يطارده لأنه يسعى خلف لقمة عيشه.
أما هؤلاء، فقد اختزلوا الدين في طقوس جامدة، ثم نصبوا أنفسهم قضاة على الناس، يمنحون صكوك القبول والرفض، بل الحياة والموت.
وما كان لذلك الطفل أن ينجو لولا شجاعة مواطن بسيط تحرك بضميره قبل أن يتحرك الجميع. ذلك الرجل، ومن بعده الجماهير التي تصدت للجناة، هم الصورة الحقيقية للسودان: السودان الذي ما زال حيًّا في ضمير شعبه، لا في خطب المتشددين ولا في سكاكينهم.

إن إنقاذ السودان لا يكون فقط بإدانة هذه الجريمة، بل باقتلاع الجذور التي صنعتها: الفكر المتطرف، والاستغلال السياسي للدين، والتواطؤ مع من يستخدمون المنابر لبث الكراهية.

فلا يمكن بناء وطن مع من يرون في الطفل العامل خصمًا، وفي الرحمة ضعفًا، وفي الذبح رسالة.
السودان بحاجة إلى ثورة أخلاقية تعيد للدين جوهره الإنساني، وللمجتمع توازنه، وللقانون هيبته. وإلا فإن السكاكين التي رُفعت اليوم على رقبة طفل، قد تُرفع غدًا على رقاب وطن بأكمله.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.