مع استمرار اشتعال حرب السودان، برزت القاهرة لاعباً محورياً في المشهد؛ فبينما تفتح أبوابها لاستقبال مئات الآلاف من الأسر السودانية الفارة من ويلات الحرب، تقدّم دعماً عسكرياً وسياسياً صريحاً للجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان. غير أن هذا المشهد يحمل في طياته مفارقة سياسية معقدة: كيف تتعامل الدولة المصرية مع قيادات إخوان السودان «الحركة الإسلامية» المقيمين على أراضيها، وهي التي خاضت حرباً وجودية ضد التنظيم محلياً؟
ويبدو أن تاريخ العلاقة بين القاهرة والحركة الإسلامية السودانية مثقلاً بالهواجس الأمنية، ولعل أبرز فصوله محاولة اغتيال الرئيس الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، والتي اتُّهمت فيها عناصر من التنظيم. ورغم تصنيف مصر وواشنطن للإخوان كجماعة إرهابية، فإن “البراغماتية” السياسية فرضت نمطاً فريداً من التعامل مع النسخة السودانية للتنظيم في الوقت الراهن.
وتبرر القاهرة انحيازها للجيش، الذي يتحالف معه الإسلاميون، بأنها تنظر إلى المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن الوحيد لاستقرار الجوار الجنوبي. وبما أن الإسلاميين يشكلون جزءاً من النسيج المقاتل حالياً إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع، فإن الدولة المصرية تبدو وكأنها تغض الطرف مؤقتاً عن الأيديولوجيا لصالح الأمن القومي، مع ممارسة رقابة لصيقة على أي نشاط سياسي لهؤلاء داخل أراضيها.
ويطرح الصحفي والمحلل السياسي إيهاب مادبو تساؤلاً جوهرياً يمس جوهر التحركات القادمة، خاصة بعد إعلان السودان رسمياً تصنيف جماعة الإخوان كجماعة إرهابية.
ويرى مادبو أن السؤال الأهم الآن يكمن في مدى استجابة القاهرة لهذا التصنيف الجديد.
واستدرك مادبو متسائلاً:؟ هل ستتخذ مصر خطوات مماثلة تجاه القيادات الإخوانية الموجودة على أراضيها، خاصة مع تداول أسماء لشخصيات «كيزانية» بارزة مثل صلاح قوش وغيره؟ وهل ستقوم القاهرة بإبعاد هذه القيادات أو تقييد نشاطها السياسي انسجاماً مع التصنيف الجديد في السودان؟ أم أن الملف سيظل محكوماً باعتبارات سياسية وأمنية أوسع بين القاهرة وبورتسودان؟
صمت المخابرات وأوراق الضغط
يثير وجود شخصيات بوزن مدير المخابرات الأسبق صلاح قوش في مصر جدلاً مستمراً. فبينما يراه البعض خرقاً لمبدأ محاربة الإخوان، يراه خبراء أمنيون صندوقاً أسود للمعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تحتاجها القاهرة لتأمين حدودها الجنوبية وفهم خبايا الملف السوداني.
وتشير التقديرات إلى أن القاهرة تفضل حالياً سياسة الاحتواء الصامت؛ أي السماح بالوجود الإنساني، أو ما يشبه الإقامة الجبرية «غير المعلنة»، مقابل تجميد كامل لأي نشاط تنظيمي، مع الإبقاء على هؤلاء كورقة ضغط لضمان عدم انحراف بوصلة الجيش السوداني نحو تحالفات إقليمية قد تضر بالمصالح المصرية مستقبلاً.
ولعل المرحلة المقبلة ستمثل اختبار نوايا بين القاهرة وبورتسودان. فإذا تحوّل التصنيف السوداني من قرار سياسي إلى إجراءات قانونية وطلبات تسليم رسمية، ستجد القاهرة نفسها أمام خيارات صعبة، إما:
الترحيل الهادئ: عبر الطلب من الشخصيات الأكثر إثارة للجدل مغادرة البلاد إلى عواصم أخرى، تجنباً للحرج الدبلوماسي.
الاستمرار في الفصل بين المسارين: دعم الجيش السوداني بمن فيهم المقاتلون الإسلاميون» في الميدان، مع تشديد الرقابة الأمنية على قياداتهم في القاهرة، ومنعهم من ممارسة أي دور سياسي انطلاقاً من الأراضي المصرية.
كما يبرز خيار التنسيق الأمني الانتقائي، الذي يتمثل في تسليم عناصر مطلوبة جنائياً بعيداً عن المسمى السياسي، تأكيداً للتعاون مع سلطة البرهان.
ستكشف الأيام القادمة ما إذا كان هذا التصنيف سيظل خطوة داخلية في السودان فقط، أم سيتبعه تنسيق إقليمي وإجراءات عملية بحق قيادات التنظيم خارج البلاد، في ظل حرص القاهرة على ألا تتحول أراضيها إلى منصة لأي جماعة صُنّفت «إرهابية»، حتى لو كانت تقاتل في خندق حلفائها في الخرطوم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.