أطراف الحرب ـ مسؤولية الإخلال بالالتزام القانوني والواجب الأخلاقي

طلب الختيم

🔹 انفجر سؤال المشروعية القانونية والأخلاقية في مواجهة «الجيش والدعم السريع» حول موقفهما من الحرب منذ لحظة انطلاق الرصاصة الأولى في صبيحة الخامس عشر من أبريل ٢٠٢١، حيث فوجئ الشعب السوداني وفُجع بانفراط عقد الأمن والطمأنينة بفعل الصدام بين الجهات العليا في الدولة التي تحتكر أدوات العنف والردع بموجب الدستور والقانون، والتي اخترقت ضوابط الحصرية الصارمة لهذه الأدوات، لا بتوظيفها لمواجهة خطر خارجي داهم أو نزاع داخلي مهدِّد للسلم الأهلي والطمأنينة العامة بحسب موجبات القانون، وإنما لمواجهة بعضها البعض في مسلك فوضوي أجهض حالة الأمان والسلم وقوّض سلطان الدولة العام.

🔹 ومنذ اللحظات الأولى لانفجار الحرب، عمل كل طرف على تكثيف مبررات الادعاء بامتلاك حق الاستخدام المشروع للعنف المادي في مواجهة الطرف الآخر، لدرء خطر تمرده وخروجه على القانون.

🔹 فالجيش، في أول خطاب له حول توصيف ما يجري، قال إن البلاد تواجه انقلابًا ومؤامرة يقودها الدعم السريع، مما أوجب عليه مواجهته بالحسم اللازم. وبعدها خرج القائد العام في خطاب وصف ما يجري بأنه حرب عبثية يجب أن تتوقف فورًا، قبل أن يقطع عليه أحمد هارون الخط في بيان للحركة الإسلامية بوصف ما يجري بأنه حرب كرامة توجب الجهاد المقدس، وأصبح ذلك هو الشعار المحدِّد لهوية القتال في مواجهة الدعم السريع، ولاحقًا في مواجهة الداعين لوقف الحرب في لحظاتها الأولى.

🔹 الدعم السريع حدّد هوية الحرب بكونها مؤامرة من الإسلاميين لإجهاض الاتفاق الإطاري وقطع الطريق أمام استرداد مسار الانتقال الديمقراطي والعودة إلى السلطة على ظهر الجيش عبر عناصرهم. لاحقًا طوّر الدعم السريع موقفه إلى كفاح مقدس من أجل إزالة ما أطلق عليه دولة ٥٦ وتأسيس سودان جديد، حُدِّدت هويته وملامحه الدستورية في مواثيق مؤتمر نيروبي ٢٠٢٥.

🔹 وبعد مرور أكثر من ألف يوم على الحرب الكارثية، يظل السؤال القانوني والأخلاقي مطروحًا: أيٌّ من طرفي الحرب قام بتوظيف أدوات القهر والعنف التي امتلكها بموجب الدستور والقانون باختراق مشروعية الاحتكار، وتوظيفها للإخلال بعقد الأمن والطمأنينة العامة؟

🔹 فقبل اندلاع الحرب، وبموجب الدستور الانتقالي ٢٠٠٥، وبعده الوثيقة الدستورية، واستنادًا إلى القانون، كانت حالة الأمن والطمأنينة محفوظة بتوازنات هجينة، يتقاسم فيها أطراف الحرب حالة احتكار أدوات العنف والردع. وقد حدّدت الوثيقة الدستورية، ولاحقًا القوانين، كيفية تنظيم حصرية السلاح ومشروعية استخدامه في حالة الدفاع عند مواجهة المهددات الخارجية، أو لأغراض حفظ السلم الأهلي والطمأنينة العامة في حالات حدوث النزاعات الداخلية.

🔹 وفي حالة الحرب الدائرة الآن، لم يأتِ الخطر والتهديد من الخارج، ولا من جهات امتلكت أدوات العنف بطريقة غير مشروعة، وإنما جاء الإخلال بحالة الأمن والطمأنينة من الجهات الرسمية التي تمتلك الحصرية القانونية لأدوات القهر والعنف.

🔹 وفي هذه الحالة، تتحدد موجبات اكتساب المشروعية وفقًا لتكييف الوضع القانوني للأطراف عند بداية الحرب، ومن منها أخلّ بالتزامه القانوني وقام بتوجيه سلاح الدولة خارج دائرة الفعل المشروع. والملاحظ وعي الطرفين بحالة الوجوب القانوني لاستخدام سلاحهما؛ لذلك ومنذ اليوم الأول للحرب، اتجه خطاب كل منهما نحو توفير المبررات القانونية التي تشرعن استخدامه للعنف في مواجهة الآخر.

🔹 فإن كانت حقيقة الهوية القانونية لموقف كليهما قد أُخفيت بفعل ثقل خطاب الكذب والتضليل والتدليس المستخدم من كل منهما لتكثيف صورة سالبة عن الآخر، ولتوفير المشروعية القانونية والأخلاقية للاستمرار في الحرب، فإن هذا الاختفاء ـ مهما طال ـ لن يصمد كحيلة أبدية؛ فسيأتي يوم تنجلي فيه الحقيقة بشكل حاسم وقاطع عند حدوث أي تحقيق وتقصٍّ عادل وشفاف حول حقائق الحرب وانتهاكاتها.

🔹 وللأمانة، فإن الدعم السريع، ومنذ البداية، بدا أكثر موثوقية في موقفه، إذ ظل على الدوام يطالب بضرورة تشكيل آلية للتحقيق الدولي والوطني لتحديد من أطلق الرصاصة الأولى. وهذا الموقف ظل يواجهه الجيش بالتهميش، لكونه ـ في تقديراته ـ غير ذي أهمية، ويتحجج بأن المهم ليس من بدأ الحرب، وإنما من وجّه سلاحه للإخلال بالأمن والطمأنينة العامة وتوغّل في الانتهاكات بعد اندلاع الحرب.

🔹 وفي كل الأحوال، فإن المسؤولية القانونية عن اندلاع الحرب لا تطمس أهمية الانتهاكات اللاحقة. فعندما تنكشف هوية المبادر بالحرب عند لحظة المحاسبة والمسائلة بعد انتهاء الحرب واستعادة حكم القانون، فإن البادئ بالحرب سيتحمل العبء الأكبر من المسؤولية القانونية والأخلاقية عن كل تركة الحرب أمام الشعب وأجهزة حكم القانون، دون أن يكون ذلك مبررًا لانتهاكات الحرب الجسيمة التي ارتكبها الطرف الآخر.

🔹 فإن كانت المسؤولية عن الحرب تضع الثقل الأكبر على البادئ، باعتباره السبب في كل الخراب والدمار والآلام والمحن التي ترتبت على فعل الإخلال بعقد الأمن والطمأنينة في البلاد، فإن ذلك لا يُسقط ـ وبذات القدر ـ ضرورة وأهمية مساءلة الطرف الآخر أو أي أطراف التحقت بالحرب عن مسؤولياتها تجاه تركة انتهاكاتها من الحرب والخراب والدمار وإزهاق الأنفس والأرواح التي وقعت بفعل الإخلال بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقوانين الوطنية الواجب مراعاتها حتى في حالات الحرب.

🔹 كما أن أطراف الحرب يتحملون كامل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن حالة عجزهم المؤسسي في حماية المدنيين في مناطق سيطرتهم، وعن كل حالات القهر والعنف والعسف التي مورست في مواجهة المدنيين من منسوبيهم أو من المليشيات التي منحوها مشروعية امتلاك السلاح للقتال بجانبهم.

🔹 والمؤسف والمحزن أن الحالة المنفلتة لأطراف الحرب والمجموعات المساندة لهم في القتال وضعت أغلب مناطق السودان تحت مظلة العنف والجريمة، ويزداد التردي سوءًا مع فجر كل يوم جديد، مع تمكّن حالة التلهي بالشعارات المبررة للتماهي مع الحرب، التي حوّلت العنف من كونه سلوكًا استثنائيًا إلى مسلك معتاد، يوجب التطبيع مع حالة التبشيع بقطع الرؤوس وانتزاع الأحشاء وإزهاق أرواح المواطنين العزل الأبرياء، وسلب ممتلكاتهم وإتلافها وتدمير الأعيان المدنية.

🔹 فكل هذه الفظائع أصبحت مظهرًا اعتياديًا لا يثير حتى الاستغراب، دعك من الاستنكار، لدى أغلب المخدوعين بسردية المشروعية المزيفة لاستمرار الحرب والقتال، والذين تدنت إنسانيتهم إلى مستويات يرون فيها كل هذه الجرائم البشعة مزايا يتوجب الاحتفاء بها كإنجاز حربي عظيم.

🔹 والأكثر بؤسًا أن سلطات الأمر الواقع في مناطق سيطرة الطرفين تعمل، بدرجات متفاوتة، على تعزيز حالة الانقسام الاجتماعي المسنود بخطاب الكراهية الهوياتي، المخصِّب لتربة العنف، لاستثماره وظيفيًا وسياسيًا لصالح تسعير الحرب واستمرار القتال.

🔹 وبالتالي أصبحت سلطات الأمر الواقع، وبرغم تمظهرها المدني، أدوات مولِّدة للعنف والكراهية، سواء من خلال تغليب طابع الهوية الاجتماعية والجهوية الذي يجسده مسلك الاستهداف الأمني والاستخباراتي للمدنيين، أو سياسات التمييز التي تنتهك الحق في المواطنة المتساوية، وكذلك سياسات التجويع والحرمان في مواجهة المدنيين. ويُراجع في ذلك سياسات منع وتجريم انتقال وتداول السلع والمواد الغذائية والمنتجات الزراعية والحيوانية بين المواطنين في مناطق سيطرة الطرفين.

🔹 في كل الأحوال، فإن التحديات القانونية والأخلاقية تتعاظم في مواجهة أطراف الحرب مع كل صباح جديد، ويظل الجاني الرئيسي هو من أقلق مضاجع الشعب بانتهاك عذرية الأمن والطمأنينة بإطلاق الرصاصة الأولى. وبعدها تتوزع مسؤولية الانتهاكات عن كافة جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وتدمير الأعيان المدنية وسلب ونهب أموال المواطنين وتدمير ممتلكاتهم وتهجيرهم قسرًا على الأطراف، كلٌّ حسب رصيده منها. وتمتد الجرائم لتشمل كافة أشكال الانتهاكات، بما في ذلك حالة العجز المؤسسي للسلطات المدنية عن حماية المدنيين، باعتباره إخلالًا بالواجب القانوني والأخلاقي والإنساني.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.