الحملة التي تشنها السلطات المصرية بحق اللاجئين السودانيين تمثل لحظة كاشفة لاختلال عميق في مقاربة واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حساسية في الإقليم. فالسودانيون الذين لجأوا إلى مصر لم يفعلوا ذلك بحثًا عن امتيازات أو رفاه، بل هربًا من حرب دمّرت بيوتهم، وسلبت أبناءهم التعليم، ووضعت حياتهم على حافة الفناء. ومع ذلك، يجد كثيرون منهم أنفسهم اليوم في مواجهة إجراءات قاسية، تجعل من اللجوء ذاته عبئًا جديدًا لا ملاذًا آمنًا.
منذ اندلاع الحرب في السودان، تحوّلت مصر إلى ملاذ طبيعي للسودانيين بحكم الجغرافيا والتاريخ والروابط الاجتماعية. غير أن ما نشهده مؤخرًا من حملات توقيف وتشديد في إجراءات الإقامة، وقرارات ترحيل، يثير لديّ تساؤلات جدية حول البعد الإنساني في إدارة هذا الملف. فالدولة التي لطالما قدّمت نفسها بوصفها سندًا للسودان، تبدو اليوم وكأنها تنظر إلى اللاجئ السوداني كعبء أمني أو اقتصادي، لا كإنسان فارّ من جحيم حرب.
الأوضاع التي يعيشها السودانيون في مصر بالغة القسوة. ارتفاع جنوني في الإيجارات، فرص عمل شحيحة وغير مستقرة، غياب شبه كامل للحماية الاجتماعية، وصعوبات قانونية تجعل الإقامة نفسها مصدر قلق دائم. كثير من الأسر تعيش على الهامش، تضطر للعمل في ظروف قاسية وبأجور متدنية، فيما يُحرم الأطفال من التعليم، وتُترك النساء لمواجهة أعباء مضاعفة في غياب أي شبكة دعم حقيقية.
المقلق أكثر هو أن هذه الحملات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، في وقت لا يزال السودان مسرحًا لحرب مفتوحة، ما يجعل أي تضييق أو ترحيل بمثابة تهديد مباشر لحياة اللاجئين. إن التعامل الأمني الصرف مع قضية إنسانية بهذا الحجم لا يفضي إلا إلى مزيد من الهشاشة، ويدفع البعض نحو الهجرة غير النظامية، أو الوقوع في براثن شبكات الاتجار بالبشر.
أدرك أن لمصر تحدياتها الاقتصادية وضغوطها الداخلية، وأن إدارة ملف اللجوء ليست مهمة سهلة، لكنني أرى أن تحميل اللاجئ السوداني كلفة هذه الأزمات يمثل خيارًا أخلاقيًا خاطئًا، وسياسيًا قصير النظر. فالتاريخ لا يُسجّل كيف تحمي الدول حدودها فقط، بل كيف تحمي إنسانيتها في لحظات الاختبار.
في تقديري، المطلوب ليس فتح الحدود بلا ضوابط، بل تبنّي مقاربة متوازنة تحترم الكرامة الإنسانية، وتراعي الواقع الكارثي في السودان، وتفصل بين التنظيم القانوني المشروع، والعقاب الجماعي غير المعلن. كما أن على المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤوليته، بدل ترك دول الجوار وحدها في مواجهة أزمة لم تصنعها.
في النهاية، اللاجئ السوداني لم يختر أن يكون لاجئًا، بل دُفع إلى ذلك دفعًا. ومعاملته كخطر أو عبء لن تحل الأزمات، بل ستضيف جرحًا جديدًا إلى جسدٍ أنهكته الحرب.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.