حركة وتحرير

أطياف - صباح محمد الحسن

طيف أوّل:
كأنما كَفَّتا الانتظار ضُمَّتا على صدر حائط،
وتتضَرَّعان أنْ تهبهما الشمس لَمْعَة وَسُطوعًا!!
اوالأمم المتحدة عضّت سبابة الندم حين منحت الرئيس الأمريكي تفويضًا لقيادة “مجلس السلام”، وكان في ظنها أن ذلك سيدعم مسارَ الاستقرار في الشرق الأوسط. لكن سرعان ما تفاجأت بأنّ ترامب بدأ يوظّف المجلس في مواجهتها.
وكادت أن تنفجر أزمة دولية بين الرئيس دونالد ترامب وحلفائه من الدول الأوروبية، غير أنّ موقفَ الاتحاد الأوروبي كان قويًّا، فتراجع أمامه ترامب عن أغلب قراراته. وكان لخطاب رئيس وزراء كندا، مارك كارني، في منتدى دافوس وقع وتأثير كبير على تراجع ترامب، إذ أرسل كارني رسائلَ واضحةً للرئيس الأمريكي عبّر فيها عن رفضه لقراراته وسياساته بقوة، سواء تلك المتعلقة بفرض رسوم جمركية أو بإنشاء مجلس السلام. فقال كارني:
“( كل يوم نتذكّر أنّنا نعيش في عصر تنافس القوى العظمى. يُقال لنا إنّ النظام الدولي القائم على القواعد يتلاشى، وإنّ الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما لا مفرّ منه. فإذا تخلّت القوى العظمى حتى عن التظاهر بالالتزام بالقواعد والقيم، وانطلقت في السعي غير المقيّد وراء مصالحها وقوّتها، فإنّ مكاسب «النهج الصفقاتي» ستصبح أصعب في التكرار. فالهيمنة لا يمكنها الاستمرار إلى ما لا نهاية في تسييل علاقاتها.
وسحب ترامب دعوته للرئيس الكندي بعدما استمع إلى كلماتٍ قويةٍ تعبّر عن سيادة دولةٍ ترفض الانصياع؛ فالقائد يستمدّ قوته من حكمه الرشيد، ومن براءته من دماء شعبه، ومن نزاهته وعدم فساده، وعندها يكون أقوى.
كما أنّ دول الاتحاد الأوروبي اجتمعت على كلمة سواء، وأجبرت ترامب على التراجع عن قراراته: زيادة التعرفة الجمركية، ومحاولة نزع غرينلاند، واحترام موقفها بعدم الانضمام إلى مجلس السلام وعدم الدخول في مواجهة معه. ثم عاد ترامب بتصريحٍ أبدى فيه احترامه للأمم المتحدة بعد أن قلّل من شأنها.
ومع أنّ المجلس لم يحظَ بدعمٍ أوروبي، فإنّ موافقة أكثر من عشرين دولة يمكن أن تمكن ترامب من تمرير أهدافه عبر هذا المجلس.
فهل في المدة المحددة للمجلس يستخدم ترامب صلاحياته لتحقيق مآربه في الشرق الأوسط؟ وما تأثير مجلس السلام على الحرب في السودان؟ فبالرغم من أنّ المجلس يضع غزة كوجهة رسمية لعمله، إلا أنّه أورد في ميثاقه:”يسعى إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء الحكم الرشيد والقانوني، وضمان السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالنزاعات.”
وإذا عدنا بذاكرة القارئ قليلًا إلى الوراء، سيجد نصًّا قبل عام ذكرنا فيه أنّ الولايات المتحدة الأمريكية قد تضطر إلى اتخاذ قراراتٍ أحادية تتجاوز بها مجلس الأمن والأمم المتحدة، وتقفز بها على عقبة الفيتو (ذكرنا هذا في 2024). فأمريكا دولةٌ تتجاوز لمصالحها كلَّ الخطوط الحمراء.
لذلك فإن النظرة العابرة للمجلس ربما تقرأ أن العضوية في “مجلس ترامب للسلام” تكشف أنّ ملامح المجلس عربية، حيث هرعت الدول العربية لشراء مقعدها فيه. فقد اشترط ترامب العضوية بدفع مليار دولار، بل كان أكثر دهاءً حين وضع بندًا في الميثاق ينصّ على أنّ مدة عضوية كل دولة ثلاث سنوات كحدٍّ أقصى، لكن لا تسري هذه المدة على الدول التي تُساهم بأكثر من مليار دولار أمريكي نقدًا.
والناظر إلى العضوية يجد أنّ المجلس ضمّ عددًا من الدول ذات العلاقة بالسودان: مصر والسعودية وقطر. فوجود هذه الدول ربما يبدو أنّه يمثّل ترسانة للقيادة العسكرية في السودان، من قرارات المجلس المستقبلية، الذي بلا شك سيضع السودان ضمن اهتماماته كواحد من “دول النزاعات”. لكن هذه النظرة الشكلية لا تكفي، لأنّ الإدارة الأمريكية كانت فطنة وقصدت أن يكون وجود هذه الدول شكليًّا، حيث نصّ الميثاق على أنّ التصويت في المجلس بأغلبية الأعضاء، لكن القرار النهائي يعود إلى ترامب.”تُتخذ القرارات بأغلبية الدول الأعضاء الحاضرة والمصوّتة، مع مراعاة موافقة الرئيس.”
والمجلس الذي يحاول ترامب من خلاله إلغاء دور الأمم المتحدة، تحكي بنوده عن هيمنةٍ واضحةٍ له، حتى إنّه لا يحق للأعضاء فيه إزاحة الرئيس من منصبه أبدًا، مما يعني أنّ ترامب، حتى لو انتهت فترة حكمه للولايات المتحدة، سيبقى رئيسًا دائمًا للمجلس:
“(لا يجوز استبدال الرئيس إلا في حالة الاستقالة الطوعية أو نتيجة العجز، وفقًا لما يقرره المجلس التنفيذي).”
ولا يعود القرار لأعضاء مجلس السلام، فتصويتهم إجراءٌ شكلي يمكن أن يُلغيه ترامب في أي وقت:
“(تُتخذ قرارات المجلس التنفيذي بأغلبية أعضائه الحاضرين والمصوّتين، بمن فيهم الرئيس التنفيذي. وتُنفذ هذه القرارات فورًا، مع احتفاظ الرئيس بحق النقض (الفيتو) في أي وقت لاحق).”ومن بنود ميثاق مجلس السلام يمكن القول إنّ ترامب يضع سقفًا زمنيًّا محدّدًا لحل النزاعات في الشرق الأوسط، إذ تنتهي صلاحية المجلس بانتهاء العام 2027:
“(تكون مدة عضوية أعضاء المجلس التنفيذي سنتين، ويجوز للرئيس عزلهم وتجديد عضويتهم وفقًا لتقديره).”
فما بين حركة قائد القوة الأمريكية في أفريقيا، وزيارته لمصر وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي، وتحرير القرار الأمريكي بواسطة ترامب من مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة، هل ستكشف الأيام المقبلة عن وجودٍ أمريكي في المنطقة لا يأبه فيه ترامب بالمجتمع الدولي!!.
طيف أخير:
لم يتخلَّ وزيرُ الإعلام عن دور المحلّل السياسي الذي كان يظهر به على القنوات مدافعًا عن السلطة الانقلابية، إذ كان يضطرّ في مهمته إلى تبرير مواقفها بالمجاملة والمواربة. لكنّ الإعيسر لم يُدرك بعد مسؤوليةَ تصريح المسؤول الذي ينبغي أن يكون فيه صادقًا، واضحًا، وشفّافًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.