الأسلحة الكيميائية في حرب السودان… حين يعبر التلوث الحدود

سيف الدولة كمال

لم تعد حرب السودان شأناً داخلياً يمكن احتواؤه داخل حدوده الجغرافية، فمع اتساع رقعة الصراع وانفلات أدواته، بدأت تداعياته تتجاوز خطوط التماس لتطرق أبواب الإقليم، وتحديداً مصر، التي وجدت نفسها هذه المرة أمام خطر غير تقليدي: تلوث محتمل لمياه نهر النيل على خلفية استخدام أو التخلص العشوائي من مواد كيميائية مرتبطة بالحرب.
التقارير المتداولة حول استيراد كتائب تابعة للحركة الإسلامية السودانية، المتحالفة مع الجيش، لمواد كيميائية لاستخدامها في القتال ضد قوات الدعم السريع، تفتح باباً خطيراً على واحدة من أكثر الجرائم المحرّمة دولياً: استخدام الأسلحة الكيميائية. الأخطر من ذلك، أن هذه المواد – بحسب مصادر مطلعة – كانت محل رصد من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ما استدعى قراراً بالتخلص منها، غير أن طريقة التخلص نفسها تحولت إلى كارثة بيئية.
قرار السلطات المصرية، خاصة في مناطق جنوب مصر وأسوان، بمنع استهلاك الأسماك من نهر النيل، لم يكن إجراءً احترازياً عادياً، بل مؤشر مقلق على حجم المخاوف من تلوث المياه. نفوق وانتفاخ الأسماك والفئران على ضفاف النيل لم يعد مجرد شائعة حرب، بل ظاهرة دفعت القاهرة إلى التحرك السريع، إدراكاً لحساسية النيل بوصفه شريان حياة لا يحتمل العبث.
في هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى بورتسودان دلالات تتجاوز المجاملات السياسية. فالرسالة التي نُقلت إلى قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، بشأن “فعل فادح” ارتكبته كتائب إسلامية حليفة للجيش، تعكس قلقاً مصرياً حقيقياً من أن يتحول السودان، بفعل الفوضى والسلاح المنفلت، إلى مصدر تهديد مباشر للأمن البيئي والصحي لدول الجوار.
المفارقة المؤلمة أن السودان، الذي لطالما قدّم نفسه بوصفه بلداً بعيداً عن ترسانة الدمار الشامل، يجد اسمه اليوم مرتبطاً بملف الأسلحة الكيميائية، ليس فقط كاتهام أخلاقي، بل كقضية دولية قد تستدعي تحقيقات ومساءلات. وهنا لا يمكن فصل هذا المسار عن طبيعة التحالفات داخل الحرب، حيث أعادت الحركة الإسلامية إنتاج نفسها عسكرياً، مستخدمة كل ما هو متاح، دون اعتبار لعواقب ذلك على المدنيين أو الإقليم بأكمله.
إن تلوث نهر النيل – إن ثبتت أسبابه ونتائجه – لا يمثل جريمة حرب فحسب، بل جريمة عابرة للحدود، تمس حق شعوب بأكملها في الحياة. وهي رسالة واضحة بأن استمرار الحرب السودانية بهذا الشكل، وبهذه الأدوات، لن يهدد السودان وحده، بل سيجر المنطقة إلى دوامة مخاطر بيئية وأمنية لا تقل فتكاً عن الرصاص.
ما يحدث اليوم يستدعي وقفة حاسمة: إما كبح هذا الانحدار الخطير، أو الاستعداد لدفع ثمن صمتٍ قد يكون أفدح من الحرب نفسها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.