في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات وتثقل فيه المعاناة كاهل الإنسان السوداني، يظلّ العمل الطوعي أحد أنبل صور صحوة الضمير الإنساني، وشاهدًا حيًا على قدرة الشباب على تحويل الألم إلى أمل، واليأس إلى فعلٍ إنساني نبيل.
بهذا المعنى، جسّدت مبادرة شباب من أجل بناء السودان نموذجًا حيًا للعطاء من خلال مشروعها الإغاثي «تكيّة المبادرة».
فقد انطلقت فكرة التكيّة مع تدفّق أعداد كبيرة من النازحين إلى ولاية غرب دارفور، وتحديدًا إلى مدينة الجنينة، هربًا من ويلات العنف والنزوح القسري.
ومع أولى الجولات الميدانية للمبادرة إلى أماكن سكن النازحين، اصطدم الشباب بواقعٍ قاسٍ يفيض بالبؤس والحرمان، حيث فقدت مقومات الحياة الأساسية، وكادت الاحتياجات الضرورية أن تكون منعدمة.
وأمام هذا المشهد الصادم، تحرّك أعضاء المبادرة بدافعٍ إنساني خالص، فبادروا بتقديم ما تيسّر من احتياجات من داخل بيوتهم، متقاسمين مع النازحين الطعام والشراب والأدوية والأغطية والملابس، وحتى مستلزمات المطبخ، في صورة نادرة للتكافل الاجتماعي وحفظ الكرامة الإنسانية، نابعة من إحساسٍ عميق بالمسؤولية الوطنية والواجب الديني والأخلاقي.
ولم يكن أمامهم حينها سوى التحرك السريع لإنشاء «تكيّة» خاصة بالمبادرة، تستجيب لاحتياجات آلاف النازحين في مشهدٍ يقطر ألمًا وتغمره الدموع. وكانت التكيّة الحل العملي الوحيد لتغطية هذا الكم الهائل من الاحتياجات اليومية، رغم ثقل الأمانة وعِظم المسؤولية.
وبجهدٍ شعبي خالص ودعمٍ مجتمعي صادق، جرى تأسيس مقر التكيّة بوحدة أردمتا الإدارية، وتزويدها بالمواد التموينية الأساسية، في ملحمة تضامنية شارك فيها الشباب والشابات وأفراد المجتمع وعدد من أهل الخير.
ولم يكن نجاح التكيّة نتاج جهد جهة واحدة، بل ثمرة لتكاتفٍ واسع أعاد إحياء قيم «النفير» التي عُرفت بها دارفور عبر تاريخها الطويل.
وكان لرئيس المبادرة، الأستاذ نذير آدم الفوجا، والمكتب التنفيذي وكافة أعضاء المبادرة، دورٌ محوري في توسيع نطاق الخدمات واستمرار العمل رغم شُح الإمكانيات، حيث شكّلت مبادراتهم، وعلى رأسها «شباب من أجل إنقاذ الجنينة»، شاهدًا على الأعمال الإنسانية التي قادوها في الجنينة، ثم امتدت إلى زالنجي ونيالا خلال الأشهر الماضية.
واليوم، وبعد كل هذه الجهود الشعبية والشخصية، تقف «تكيّة المبادرة» صرحًا إنسانيًا راسخًا في وحدة أردمتا الإدارية، تؤدي دورها كأحد الأعمدة التي تعزّز صمود النازحين وثباتهم في مواجهة التحديات وإفرازات الحرب التي طال أمدها.
ولم تكن التكيّة مجرد مطبخٍ خيري أو مشروع إغاثي عابر، بل تحوّلت إلى عنوانٍ للرحمة في زمن القسوة، وتجسيدٍ حقيقي لمعنى التكافل حين تُختبر القيم، ويُقاس الإيمان بالفعل لا بالشعارات.
إن ما يقوم به شباب من أجل بناء السودان في غرب دارفور حظي بتقديرٍ واسع، إذ عبرهم وُلدت حكايات عن عطاءٍ شبابي لا يعرف الانكسار، وعن قلوبٍ آمنت بأن خدمة الناس عبادة، وأن حفظ الكرامة في أوقات الشدة هو أسمى معاني الوطنية.
وهكذا ستبقى تكيّة مبادرة شباب من أجل بناء السودان شاهدًا حيًا على أن في الجنينة شبابًا قادرين على صناعة الحياة… رغم كل شيء، مرددين شعارهم: «الإنسانية لا تعرف الحدود».
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.