شهدت قرية “الكاهلي زيدان” في ولاية الجزيرة حادثة أمنية دامية، أسفرت عن مقتل 17 شخصاً، بينهم شقيقا القائد العسكري أبو عاقلة كيكل، وذلك إثر استهداف منزلهم بطائرة مسيّرة، وفق ما أفادت به مصادر محلية وعسكرية نقلتها وسائل إعلام سودانية، التي أشارت إلى أنّ الهجوم وقع في ساعة متأخرة من الليل وأصاب الموقع بدقة، ممّا أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى من المرافقين.
وتشير المعلومات المتداولة إلى أنّ الاستهداف جاء في سياق تصاعد التوترات بين كيكل وعدد من التشكيلات العسكرية داخل معسكر بورتسودان، وعلى رأسها كتيبة البراء بن مالك الإخوانية العاملة ضمن التيارات الإسلامية المسلحة المتحالفة مع الجيش السوداني.
يُعدّ “أبو عاقلة كيكل” أحد القادة العسكريين الذين برزوا خلال الحرب في السودان، حيث تولى قيادة “قوات درع السودان”، وهي قوة محلية مسلحة نشأت ضمن سياقات التحالفات الميدانية الداعمة للجيش. ووفق معطيات ميدانية متداولة، فقد شهدت علاقة كيكل مع بعض القوى العسكرية تغيّرات تدريجية خلال الفترة الأخيرة، بعد انتقاله من موقع التنسيق المشترك إلى تبنّي مسار أكثر استقلالية في إدارة قواته وتحركاته الميدانية، وهو ما وضعه في دائرة خلافات تنظيمية متصاعدة مع الإخوان.
محاولات التغطية على تفاقم الخلاف مع كتيبة البراء
حاولت مصادر تابعة للجيش السوداني التغطية على الحادث، وزعمت أنّ قوات الدعم السريع نفذت هجوماً بطائرة مسيّرة استهدف منطقة الكاهلي شرق ولاية الجزيرة، حيث يقع منزل عائلة قائد قوات “درع السودان” الموالية للجيش السوداني أبو عاقلة كيكل، ممّا أسفر عن مقتل شقيقه عزام كيكل وعدد من أفراد أسرته، إلى جانب عناصر يُعتقد أنّهم من منسوبي قواته، في حين لم تصدر قيادة “الدعم السريع” أيّ تعليق رسمي بشأن العملية أو تفاصيلها.
هذه الإحالة السريعة على قوات الدعم السريع تحاول التغاضي عن أنّ العلاقة بين كيكل وكتيبة البراء بن مالك الإخوانية شهدت توتراً متزايداً خلال الأشهر الماضية، خاصة في ما يتعلق بتوزيع مناطق النفوذ وإدارة العمليات العسكرية في عدة جبهات. كما أنّ هذه الخلافات لم تقتصر على الجوانب الميدانية فقط، بل امتدت إلى اختلافات في أسلوب القيادة وآليات التنسيق داخل التحالفات المسلحة الموالية للجيش في معسكر بورتسودان، بالتزامن مع حالة من إعادة الاصطفاف بين بعض التشكيلات المسلحة داخل العاصمة والمناطق الوسطى، وهو ما أدى إلى زيادة التعقيد في المشهد العسكري، مع تداخل خطوط القيادة وتعدد مراكز القرار بين القوى المتحالفة.
جدير بالذكر أنّ المعطيات المتوفرة لم تحسم بعد نوع الطائرة المستخدمة أو نقطة الإطلاق أو الجهة التي امتلكت المعلومات الدقيقة التي سمحت بتنفيذ الاستهداف بهذا الشكل المركّز، وهو ما يفتح الباب أمام قراءات متعددة.
من جانبه شكك الصحفي السوداني مجاهد بشرى في الرواية التي تُحمّل قوات الدعم السريع مسؤولية الهجوم، وطرح أسئلة تتعلق بالقدرة الاستخباراتية اللازمة لتنفيذ عملية دقيقة بهذا المستوى، بما يشمل رصد تحركات الأسرة وتحديد توقيت وجودها داخل المنزل، وهو ما يطرح احتمالات أوسع تتعلق بجهات أخرى تمتلك وصولاً معلوماتياً أو تقنياً داخل مسرح العمليات في وسط السودان، سواء عبر مسارات قريبة جغرافياً أو عبر شبكات داخلية.
وطرح كذلك البُعد المتعلق بالدوافع، حيث لم يعد كيكل في مواجهة مباشرة يومية مع قوات الدعم السريع بعد تحوله إلى معسكر الجيش، ممّا يضعف فرضية الاستهداف الانتقامي المباشر، ويفتح المجال أمام سيناريوهات أخرى مرتبطة بصراعات داخل التحالفات العسكرية أو محاولات إعادة ضبط موازين القوة داخلها، خاصة مع تزايد التوتر بين بعض التشكيلات المسلحة المتحالفة.
وعليه فإنّ احتمالات وجود صراع بين الإخوان وكيكل يدفع تجاه حدوث الهجوم من داخل معسكر الحلفاء في سياق رسائل ضغط سياسية وعسكرية لإعادة ضبط موقع كيكل.
تحولات ميدانية وتعدد مراكز القوة
تأتي حادثة الاستهداف الأخيرة في ظل بيئة عسكرية تتسم بتعدد الفصائل الإسلامية المسلحة وتداخل مهامها، حيث باتت التحالفات القائمة خاضعة لتوازنات متغيرة مرتبطة بالسيطرة الميدانية والموارد العسكرية، ممّا أدى إلى تصاعد الخلافات بين بعض القادة الميدانيين والتشكيلات ذات الطابع الإخواني داخل معسكر بورتسودان، وهو ما يعكس مرحلة من إعادة تشكيل النفوذ العسكري في ظل استمرار الحرب وتوسع نطاق العمليات.
وكانت منطقة سوق صابرين بمنطقة الثورة في مدينة أم درمان قد شهدت اشتباكات أسفرت عن مقتل جندي وإصابة عدد من أفراد قوة شرطية، قبل أن تتحرك الأجهزة الأمنية سريعاً وتفرض طوقاً أمنياً مشدداً للسيطرة على الوضع المتدهور واحتواء التوتر داخل المنطقة بين الجيش والشرطة، وزعمت الشرطة السودانية في بيان رسمي بتفاصيل الحادثة أنّ الجندي الذي لقي مصرعه أطلق النار بعد تلقيه تنبيهاً بعدم حمل السلاح داخل الأسواق، وذلك تطبيقاً لتعليمات سابقة صادرة عن قيادة الجيش. وأضاف البيان أنّ الحادثة أسفرت أيضاً عن إصابة اثنين من أفراد الشرطة أثناء التعامل معه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.