وفي السودان اليوم، بينما تتطاول الحرب التي أشعلتها مليشيات جيش البرهان نفسه، وتتوسع رقعتها، يواصل الرجل رسم صورته الجديدة بعناية شديدة؛ لا بوصفه قائد حرب أو رئيس سلطة انقلابية، بل بوصفه “الزعيم الأب” القريب من البسطاء. فتارة يظهر وسط الطرق الصوفية، وأخرى في الأسواق الشعبية يقف للأكل مع الناس على البسيطة، ثم يشرب العرديب أمام الكاميرات فيصفق له البعض باعتبار ذلك “قمة الديمقراطية”، وكأن الديمقراطية اختُزلت فجأة في مشروب شعبي وعدسة هاتف. ثم تظهره الاسافير الموجهة وهو يقود مركبة عربة بوكس ليحمل عليه طلاب مدارس ينتظرون المواصلات، في مشهد محسوب بعناية لإعادة إنتاج صورة القائد المتواضع الذي يعيش هموم الناس اليومية. لكن المأساة الحقيقية أن هذه المشاهد تُصنع بينما السودان نفسه يغرق؛ بينما المدن تُقصف، والقرى تُحرق، والملايين يهيمون في المنافي ومعسكرات النزوح، بينما يماطل البرهان ومن خلفه الحركة الإسلامية المصنفة إرهابية في أي تسوية حقيقية توقف النزيف، وكأن الوطن كله أصبح مجرد خلفية سينمائية لمشروع سياسي جديد يُراد فرضه بالقوة الناعمة بعد أن فشلت القوة الخشنة وحدها. ومن هنا يصبح السؤال أخطر من مجرد لقطات شعبوية عابرة؛ فنحن بالتأكيد نشهد محاولة منظمة لإعادة تصنيع البرهان كحاكم دائم للسودان، تقف خلف هذا المشروع قوى إقليمية، لا تتعدى الجارة الشمالية والتي ما فتئت ترى في الرجل ضمانة لاستمرار السودان داخل المجال الاستراتيجي التقليدي للقاهرة رغم اعتراضات الداخل السوداني وضغوط الرباعية الدولية. وتعمل القاهرة في همة عالية تقفز بها فوق المراحل؛ إذ لا يمكن للسودان مهما تعقدت الظروف، بأن يخرج من المدار؛ خصوصًا مع ملف سد النهضة، وتعقيدات البحر الأحمر، والتحولات الجيوسياسية في القرن الإفريقي. ولهذا يبدو البرهان بالنسبة للقاهرة رجل “الاستقرار الممكن”، حتى لو كان هذا الاستقرار مبنيًا فوق أنقاض وطن ممزق.
يتجاهل هذا المجهود المضني، من قائد جيش ترك باب الحرب مفتوحا على كل احتمال، أن السودان بعد الحرب لن يعود كما كان قبلها. فبلد تمزقت فيه الجغرافيا والهوية والسلاح والمجتمع، لا يمكن حكمه بعقلية “الجنرال الأب” ولا عبر صور الأسواق والمشروبات الشعبية. الشرعية في السودان القادم لن تُبنى على اللقطات العاطفية، بل على مشروع سياسي حقيقي يوقف الحرب، ويؤسس للعدالة، ويعيد بناء الدولة على أساس المواطنة لا الهيمنة العسكرية. كما أن الرهان على إعادة تسويق البرهان شعبويًا يصطدم بحقيقة أخرى؛ أن المجتمع الإقليمي والدولي لم يعد ينظر للسودان فقط من زاوية “من يحكم”، بل من زاوية “هل يمكن منع الانهيار الكامل؟”. وهذا ما يفسر الضغوط المتزايدة باتجاه التسوية السياسية، والهدن الإنسانية، وترتيبات اليوم التالي للحرب. لكن الحركة الإسلامية والقاهرة التي تقف خلف البرهان ما تزال تراهن على عامل الزمن؛ تراهن على إنهاك الناس، وعلى إعادة إنتاج صورة “القائد الوطني” وسط الفوضى، وعلى استثمار العاطفة الشعبية البسيطة بدل مواجهة الأسئلة الحقيقية؛
من الذي أوصل السودان إلى هذه اللحظة؟
ومن الذي أشعل الحرب؟
ومن الذي عطّل الانتقال المدني؟
ومن الذي حوّل الدولة إلى معسكر؟
ومن الذي يهرب اليوم من استحقاقات العدالة عبر صناعة المشاهد الشعبوية؟
في النهاية؛ أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الحرب، بل محاولة تحويل الكارثة إلى أداة لإنتاج دكتاتورية جديدة بثوب شعبي. وهذا هو الفخ الذي يجب أن ينتبه له السودانيون جيدًا؛ لأن الأوطان لا تُبنى بالعاطفة المصنوعة أمام الكاميرات، بل بالمحاسبة، والعدالة، والمؤسسات، والسلام الحقيقي. أما أخطر ما في كل هذا؛ فليس البرهان وحده، بل الفكرة التي يُراد غرسها ببطء داخل الوعي السوداني؛ فكرة أن الوطن يمكن أن يُختزل مرة أخرى في رجل، وأن الخراب يمكن التعايش معه إذا ابتسم الحاكم للفقراء، وشرب معهم العرديب، وربت على أكتاف الأطفال أمام الكاميرات. وهنا تحديداً تبدأ الكارثة الحقيقية. فالسودان لم يُدمَّر فقط بالحرب والسلاح؛ بل دُمِّر أيضاً بهذه الثقافة السياسية القديمة التي تبحث دائماً عن “القائد الضرورة” بدل المؤسسات، وعن الصورة العاطفية بدل العقد الوطني العادل. وهي ذات الثقافة التي جعلت شعوباً كاملة تصفق للطغاة بينما كانت أوطانها تنزف تحت أقدامهم.
إن التاريخ يعلمنا أن الزعيم الذي يتحول إلى “أب مقدس”؛ لا يعود مجرد حاكم؛ بل يصبح وطناً موازياً للوطن نفسه، وتصبح مساءلته خيانة، وانتقاده مؤامرة، والاعتراض عليه خروجاً على الجماعة. وهكذا تُدفن السياسة تحت أقدام الشعبوية، وتتحول الدولة إلى مسرح طويل من التصفيق والخوف والانهيار. لكن السودان اليوم أكبر من كل هذه المسرحيات البائسة. فأكبر من صورة جنرال يقود “عربة بوكس” أمام عدسات الهواتف بينما ملايين الأطفال خارج المدارس أصلاً. أكبر من مشهد شرب العرديب بينما الأمهات في معسكرات النزوح يبحثن عن الماء والدواء والغذاء. وأكبر من محاولة تسويق قائد حرب باعتباره “رجل الشعب” بينما الوطن يتمزق قطعةً قطعةً تحت سلطته وسلطان الحركة الإسلامية التي دفعت السودان لعقود طويلة نحو العزلة والفساد والانهيار ثم الحرب.
والتاريخ يعلمنا ايضا، ان أوطان ما بعد الكوارث لا تُبنى بالاستعراض، بل بالحقيقة. ولا تُشفى بالصور، بل بالعدالة. ولا تنهض بالجنرالات، بل بالدولة المدنية والمؤسسات والمحاسبة. ولذلك؛ فإن المعركة الحقيقية في السودان لم تعد فقط معركة إيقاف الحرب، بل معركة الوعي نفسه؛ معركة منع إعادة إنتاج الاستبداد بثوب شعبي جديد، ومنع تحويل دماء السودانيين إلى سلّم يصعد عليه حاكم جديد نحو القصر تحت تصفيق البسطاء المنهكين. فالشعوب المتعبة قد تبكي أمام صورة ” الزعيم والأب الحنون”، لكنها حين تستعيد وعيها تسأل السؤال الذي لا يهرب منه التاريخ أبداً؛ من الذي أوصلنا إلى هذا الجحيم أصلاً؟ وعندها لن تنفع الصور… ولا الأسواق… ولا العرديب…ولا “عربة البوكس المفتوح” في شوارع وطنٍ يحترق.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.