تهميش!!

أطياف - صباح محمد الحسن

طيف أول:
لليقظة المتربكة من تأويلِ الصباح
لخبايا الكلماتِ التي تنتظر الفضفضة
للحديث الذي اقتحم سياجَ الصمت
للمعاني التي ذابت في غسقِ الغياب
للأحلام المتعثرة فوق أشلاء الانتظار
لتلك الأمنيات اليسيرة!!
والتناقض الواضحُ بين تصريحات وزير الإعلام خالد الإعيسر بأن الخرطوم “غير جاهزةٍ للحياة”، وبين دعوةِ المواطنين للعودة إليها، لا شك أنه يعود إلى أن الحكومة تسعى لإظهار حضورها السياسي والإداري في العاصمة، في محاولة واضحة لإغفال الظروف المعيشية والخدمات الأساسية. وهي محاولة تبرهن أن الحكومة تهتم بشكلها الخارجي فقط، لتبدو في نظر الناس أفضل من حقيقتها.
والخرطومُ المدينةُ ليست جاهزةً لعودة المواطنين، لكنها تتعافى تدريجيًّا من آثار الحرب. هذه هي إجابة الوزير التي حاصره فيها مذيع الجزيرة بسؤالٍ لا يمكن أن تأتي إلا صدقًا، لأن المواطن من موقعه في الخرطوم يعكس صورة حيّة للحياة، يشكو من فقدانه لكل الخدمات الأساسية: من انقطاع الكهرباء والماء، وتفشّي الأمراض وعلى رأسها حُمّى الضنك التي عادت من جديد، ومن عدم قدرتهم على شراء الدواء، ومن غلاء الأسعار، وحتى من عدم قدرة الأطفال على الحصول على الحليب
لذلك فإن المروّجين للعودة وللحياة الجميلة في العاصمة الخرطوم يجب أن يتجاوزوا التجوال في شوارع النيل بالسيارات الحكومية من أم درمان إلى العاصمة الخرطوم. فكل شخص يستطيع أن يتجوّل في الخرطوم منذ أن أعلن الدعم السريع انسحابه منها كليًّا، ولكن هل كل متجوّل يستطيع أن يعيش فيها!!
فالذي يريد العودة إلى الخرطوم يجب ألّا يستمع إلى الخطاب الحكومي وحملاته الإعلامية مدفوعة الأجر والقيمة، ولا تغرّه اجتماعات الحكومة لساعاتٍ محددة في الخرطوم، بل يجب أن يستمع إلى المواطنين الذين سبقوه، بعيدًا عن كاميرا ومايكروفون الحكومة، ليحدثوه عن طبيعة العيش في الخرطوم: كم يحتاج من المال ليغطي وجبةً واحدة فقط يوميًّا، وكم هي تكاليف الدواء وتكلفة مقابلة الطبيب، ويسأل عن الكهرباء والماء.
كما أن الحياة في بعض أحياء مدينة أم درمان لم تعد إلى طبيعتها؛ فهي باقية كما كانت قبل اندلاع الحرب، لم تتضرر المدينة ولم تتوقف فيها الحياة حتى تعود من جديد. إذن ما الذي قدّمته الحكومة للمواطن من خدمات في الخرطوم حتى تدعوه للعودة من جديد!!
هل خصصت وزارة الطاقة مبلغًا بعينه لإعادة التيار الكهربائي للخرطوم؟ هل رصدت وزارة المالية مبالغًا للإعمار؟
ومحافظ البنك المركزي، آمنة ميرغني، تتحدث عن إجراء تعديلاتٍ جوهرية في السياسات المصرفية تهدف إلى تمويل المؤسسات الصحية والتعليمية والعقارية لتحسين الوضع المعيشي للسودانيين، وتفعيل المقاصة والمحوّل القومي لتنشيط حركة الأموال، مع التركيز على التمويل الأصغر لتحسين الإسكان ضمن جهود إعادة الإعمار وتعويض المواطنين عن خسائر الحرب.
وهو حديث استهلاكيٌّ استعراضي؛ فالمحافظ أصبحت تصريحاتها سياسية لا علاقة لها بالنظام المصرفي، تبدأ خطابها بالثناء على انتصارات الجيش وتنهيه بالوعود بالقضاء على التمرد، وهو انجرافٌ واضحٌ مع تيار الحكومة في الحملة الدعائية، يتفق معها وزير المالية جبريل إبراهيم الذي أكد أن حالة الاستقرار الحالية تمثل انتصارًا للقوات المسلحة التي هيّأت البيئة لعودة المؤسسات الحكومية، وكشف عن حزمةٍ من البشريات في الموازنة المالية الجديدة تشمل زيادة تدريجية وملموسة في الأجور وفقًا لتقديرات المجلس الأعلى للأجور، بما يضمن عدم التأثير على معدلات التضخم. وكلها مغرياتٌ كذوب وحديثٌ للوزراء والمسؤولين يُدرج تحت خطة الحملة الدعائية.
لأن ارتفاع معدلات التضخم يجعل الحياة اليومية أصعب مما يتحدث عنه الوزراء.
وعلى الرغم من محاولة الإصلاحات الظاهرية للاقتصاد، إلا أنه في الحقيقة يتهاوى في ظل الحرب بسبب تدمير البنية التحتية وانهيار الإنتاجية، وتوجيه الموارد نحو الإنفاق العسكري بدل التنمية، مما يؤدي إلى عجز مالي كبير ينعكس على عيش المواطن.
إذن، الدعوة للعودة ليست مبنية على حقيقة اقتصادية، ولكنها لا تتعدى تصريحات براقة للوزراء، ولا تتجاوز الرسائل السياسية والرمزية التي تبثها الحكومة بأن الخرطوم يجب أن تستعيد دورها كعاصمة “غصبًا عنها”، حتى لو كان الواقع صعبًا. فالحكومة هنا تكشف أنها تعاني حالة تخبط وتوهان عن الوجهة والقبلة الصحيحة، فبينما تراهن على أن وجودها هناك سيشجع المواطنين على العودة تدريجيًّا، تعترف في الوقت نفسه بأن الظروف غير مثالية، وتتجاهل أن ما تقوم به هو محاولة أخرى لإبراز صورة الاستقرار في المركز، بينما تبقى معاناة إقليم دارفور وكردفان قائمة تحت الحرب والحصار، مما يعني سطوة المخاوف من جديد: “تهميش الأزمات الإنسانية”، وكأن الحكومة لم تستفد ولم تعتبر من الدروس!!
طيف أخير:
لقاء رئيس جهاز المخابرات المصرية بالبرهان قد يتجاوز البحث في قضية حماية أمن البحر الأحمر والإقليم المسمّى الفضفاض الذي تترجم به قيادة مصر قلقها من تماطل البرهان في قبول الهدنة. فمصر والسعودية أصبحتا في وجه العاصفة الدولية بسبب أن الجنرال لا يأخذ ممن يمسك بيده إلا بخطوات إلى الوراء!!.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.