الإخوان المسلمون في السودان: حين يتحوّل الدين إلى أداة سلطة

سيف الدولة كمال

تجربة الإخوان المسلمين في السودان ليست مجرد محطة عابرة في تاريخ السياسة، بل نموذج شديد التعقيد لتداخل الدين بالسلطة، واستخدام الخطاب الأخلاقي غطاءً لمشروع سياسي طويل النفس. فمنذ عقود، عملت الحركة الإسلامية – بوصفها النسخة المحلية لتنظيم الإخوان – على التمدد الهادئ داخل مفاصل المجتمع والدولة، مستخدمة أدوات سياسية واجتماعية وتنظيمية مكّنتها من التأثير، بل والتحكم أحياناً، في مسارات القرار الوطني.
لم تظهر الحركة الإسلامية في السودان دائماً في الواجهة، لكنها كانت – بحسب مصادر عديدة – المحرك الخفي خلف تشكيلات سياسية وتحالفات متبدلة، تتغير أسماؤها وتبقى الفكرة واحدة: السيطرة التدريجية على الدولة، لا خدمتها. وعندما وصلت إلى الحكم، لم يكن ذلك تتويجاً لمشروع وطني جامع، بل بداية لمرحلة جديدة من الإقصاء، وتضييق المجال العام، وتحويل الدولة إلى ذراع تنظيمية.
ورغم ما روّجت له الجماعة من شعارات “التمكين” و”المشروع الحضاري”، فإن الحصيلة العملية جاءت مغايرة تماماً. فقد ارتبطت سنوات حكمها بتكريس الاستبداد، وتهميش القوى السياسية والمدنية، وإضعاف مؤسسات الرقابة، ما فتح الباب واسعاً أمام الفساد، وأدخل البلاد في أزمات اقتصادية واجتماعية متلاحقة لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.
وعند مقارنة التجربة السودانية بنظيرتها المصرية، تظهر أوجه شبه واضحة في الرؤية الفكرية والبنية التنظيمية، وفي فكرة “أخونة الدولة” واختزال المجتمع في جماعة. غير أن الاختلاف الجوهري يكمن في السياق المحلي؛ فالسودان، بتعقيداته الإثنية والجغرافية وهشاشة مؤسساته، دفع ثمناً أفدح، إذ ساهم هذا النهج في تعميق الانقسامات، وتهديد الوحدة الوطنية، وتقويض أي مسار ديمقراطي مستقر.
النقد الجوهري لتجربة الإخوان في السودان لا ينطلق من خلاف أيديولوجي مجرد، بل من واقع ملموس: غياب الشفافية، وتسييس الدين، واستخدام الدولة كأداة للهيمنة لا كمساحة للخدمة العامة. هذه الممارسات لم تضر بالديمقراطية فحسب، بل شوّهت فكرة الدولة نفسها، وحوّلتها إلى غنيمة تتقاسمها الولاءات.
اليوم، ومع ما يعيشه السودان من حرب وانهيار، تبدو مراجعة هذه التجربة ضرورة لا ترفاً فكرياً. فبغير نقد صريح وشجاع لدور الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين في ما آل إليه حال البلاد، سيظل السودان يدور في حلقة مفرغة، يعيد إنتاج الأزمات ذاتها بأسماء وشعارات مختلفة، بينما يدفع الشعب الثمن في كل مرة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.