مؤتمر واشنطن لبحث القضايا الانسانية… هل يسمع العالم أخيرًا أنين السودان ؟

نورا عثمان

في بلدٍ أنهكته الحرب حتى العظم، لا يبدو الحديث عن مؤتمر إنساني ترفًا سياسيًا، بل محاولة متأخرة لالتقاط ما تبقّى من الأرواح. ما كُشف مؤخرًا عن تحضيرات أميركية مكثفة لعقد مؤتمر إنساني دولي بشأن السودان في واشنطن، مطلع فبراير المقبل، يفتح بابًا للأسئلة بقدر ما يفتح نافذة أمل حذِر.

بحسب مصادر مطلعة، يُقترح الثالث من فبراير موعدًا لانعقاد المؤتمر على مستوى السفراء، بقيادة أميركية يتولاها كبير المستشارين للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس. الهدف المعلن هو حشد التعهدات الدولية لصالح «صندوق السودان الإنساني»، في مواجهة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم اليوم. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل سيتحول هذا المؤتمر إلى نقطة انعطاف حقيقية، أم مجرد محطة أخرى في أرشيف البيانات الدولية؟

السودان لا يعاني نقصًا في التقارير ولا في التحذيرات، بل في الاستجابة. ملايين النازحين، انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية، جيل كامل مهدد بالخروج من التعليم، مجاعات صامتة في الأقاليم، ونساء وأطفال يدفعون ثمن حرب لم يختاروها. ما يحتاجه السودان إنسانيًا لم يعد قابلًا للتجزئة: الغذاء وحده لا يكفي إن لم ترافقه حماية، والدواء بلا ممرات آمنة مجرد وعود، والإغاثة دون مساءلة تتحول إلى مسكنات مؤقتة.

المؤتمر المرتقب يختبر جدية المجتمع الدولي في الانتقال من إدارة الأزمة إلى تحمل مسؤوليتها. فالمطلوب ليس فقط ضخ أموال في صندوق إنساني، بل بناء مقاربة شاملة تضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها، بعيدًا عن تسييس الإغاثة أو تحويلها إلى أداة صراع. السودان بحاجة إلى دعم إنساني يحترم كرامة الناس، ويعترف بأن الكارثة ليست طبيعية، بل من صنع بشر، وبالتالي فإن تفكيكها يبدأ بإرادة سياسية قبل الشحنات الجوية.

كما أن أي جهد إنساني معزول عن مسار سياسي جاد سيظل هشًا. فالإغاثة لا يمكن أن تكون بديلاً عن وقف الحرب، لكنها قد تكون جسرًا يمنع الانهيار الكامل ريثما يُستعاد صوت العقل. وهنا تقع مسؤولية كبرى على عاتق الولايات المتحدة وشركائها: أن لا يختزلوا السودان في أرقام الاحتياج، بل أن يروا الإنسان خلف الرقم، والبلد خلف الأزمة.

مؤتمر واشنطن، إن كُتب له أن ينعقد، هو فرصة لاختبار ضمير العالم. إما أن يكون بداية لاستجابة إنسانية بحجم الكارثة، أو مناسبة أخرى تُدار فيها المعاناة عن بُعد. والسودانيون، الذين اعتادوا الانتظار، لم يعودوا يملكون ترف خيبة أمل جديدة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.