يمكن للمرء أن يقول، وباطمئنانٍ شديدٍ، إن التشرذم السياسي يُمثل واحدةً من أكبر العلل التي أقعدت الممارسة السياسية السودانية، ومنعتها التطور، وحالت بينها وبين أن تبلغ مرتبة النضج. ولقد استمرت هذه الحالة من العجز البنيوي لسبعين عاما، أصبحت البلاد بسببها كومةً من الخراب الحسِّي والمعنوي الشامل. كما يمكن القول، أيضًا، إنها ظاهرةٌ تميَّزت بها القوى السياسية السودانية، دون كثيرٍ من غيرها. فمنذ مؤتمر الخريجين، في نهايات ثلاثينات القرن الماضي، بدأ هذا الداء العضال ينهش في جسد القوى السياسية السودانية، نهشَا لا هوادة فيه. بل، إن وتيرته تزايدت حتى تحوَّلت، بمرور الوقت، إلى علَّة مُقْعِدة.. هناك سببان، فيما أرى، هم اللذان يقفان وراء ظاهرة التشرم هذه، وهما: الانشغال بالتكتيك على حساب الاستراتيجية طويلة المدى، إلى جانب انعدام الرؤية الواضحة. هذا، بالإضافة إلى الانحصار في اتخاذ العمل السياسي وسيلةً لتحقيق الأغراض الشخصية، المتعلقة بالمنصب، والوجاهة، وإيجاد المدخل على ما من شأنه أن ينمي الثروات الشخصية. بل، يمكن القول، إن الانخراط في العمل السياسي أصبح واحدًا من أفضل الطرق المعينة على تحقيق الثراء السريع. ولو تأمل المرء ملابسات تاريخ الحركة الوطنية، منذ مؤتمر الخريجين، في نهايات ثلاثينات القرن الماضي، وإلى اليوم، للاحظ أن هاتين العلَّتين المركزيَّتين هما ما وقف وراء ظاهرة التشرذم وسط القوى السياسية السودانية. ولذلك، بقي العمل السياسي السوداني يدور في هذه الدوامة، حتى أصبحنا الآن على شفا فقدان الدولة نفسها، بما فيها وما عليها، حسًّا ومعنى.
معروفٌ أن النهج المنحصر في التكتيكيات الآنية يضر بالعمل السياسي، لأنه يحصر الفاعل السياسي في نطاق المناورات الكسبية المؤقتة، ويعيق الرؤية الكلية، وكذلك بناء الوعي الديمقراطي. بعبارة أخرى، يؤدي أسلوب المناورات المنحصرة في تحقيق الكسب الآني يبعد الممارسة السياسية من قضية بناء الدولة، وترسيخ الوعي الديمقراطي فينحصر الصراع في المكاسب الفردية والجهوية وتضيع المكاسب العامة. وهكذا يتحول الفعل السياسي، من وسيلة لبناء الدولة، وتطوير الممارسة الديمقراطية داخلها، إلى أداةٍ للهدم المتنامي. لقد وسم نهج التكتيك الآني هذا التجارب الديمقراطية الثلاث في السودان: (1954 – 1958) و(1965 – 1969) و (1985 – 1989). بل، هو الذي اجتذب الانقلابات العسكرية، التي وجدت ترحيبًا شعبيًا كبيرًا، خاصةً في بداياتها، بسبب سوء الممارسات الحزبية، وفقدان الشعب الثقة في القيادات، بل وفي النهج الديمقراطي نفسه.. من العلامات الدالة على هيمنة نهج الكسب الآني على العمل السياسي الديمقراطي، كثرة الائتلافات التي أعقبت فرز نتائج الانتخابات في حقب الديمقراطية الثلاث… فالحزب الكبير، الذي لا يُدخل عددًا كافيًا من النواب إلى البرلمان يجعله قادرًا على أن يحكم منفردًا لا يجد أمام سوى وسيلة الائتلافمع حزب كبيرٍ آخر، أو تكوين ائتلاف حزبي يضم أكثر من حزبين. ويحدق هذا في العديد من الدول الديمقراطية. لكنه يحدث، ويكون حدوثه فعلاً إيجابيًّا، حين يجري في البيئة السياسية المعافاة التي يسود فيها التعاون بين حزبين كبيرين، وهو ما يُسمى بـ bipartisanship. أما حين يحدث الائتلاف في بيئاتٍ سياسيةٍ غير معافاة، مثل بيئتنا السياسية السودانية هذه، ويكون الغرض منه الحرص على البقاء في السلطة، بأي ثمن، فإنه يصبح فعلاً ضارًا ومُعيقا. وهذا ما ظل يجري في بلادنا منذ الاستقلال.
الائتلافات في التجربة السودانية
لإثبات مزاعمي هذه، دعونا ننظر إلى ظاهرة التشرذم التي أصابت بنية الحزبين السياسيين الكبيرين؛ الحزب الاتحادي وحزب الأمة في فترات الديمقراطيات الثلاث، التي وأدتها الانقلابات العسكرية، وقادت، في وقتٍ لاحقٍ، إلى عجزٍ كاملٍ لهذين الحزبين الكبيرين عن أن يحكما بمفردهما. فلو نحن رجعنا إلى أول انتخاباتٍ برلمانيةٍ جرت في البلاد، وكان ذلك في فترة الحكم الذاتي تحت إشراف الاستعمار البريطاني في عام 1953، لوجدنا أن الحزب الوطني الاتحادي، بقيادة السيد، إسماعيل الأزهري، قد أحرز أغلبية مقاعد البرلمان، الأمر الذي مكَّنه من أن يحكم منفردا. وقد كانت النتيجة التي حصل عليها حزب الأزهري 51 مقعدًا. وجاء بعده في عدد المقاعد حزب الأمة، ولكن بفارق كبيرٍ جدًّا، إذ حصل على 22 مقعدًا فقط. ثم جاءت الأحزاب الجنوبية والمستقلون الذين أحرزوا، مجتمعين، نحو 24 مقعداً. في تلك الانتخابات لم تكن طائفة الختمية قد شكَّلت حزبها بعد، ولذلك فقد دعمت الحزب الوطني الاتحادي بقيادة إسماعيل الأزهري. لكن ما لبثت طائفة الختمية أن شكَّلت حزبها الخاص بها. ومن هنا انطلقت التشرذمات وسط الجسد الاتحادي في مختلف المراحل حتى أصبح الحزب في وقتنا الراهن مجموعةً من الشظايا المتناثرة. وعمومًا يمكن القول، إن الائتلافات بين الأحزاب، خاصةً حين تكون مبادئها شديدة التباين، قد أتاحت للأحزاب الأيديولوجية؛ كالحزب الشيوعي وجبهة الميثاق الإسلامي مجالاً للمناورات التي أضرَّت بالحزبين الكبيرين، وأقعدتهما. شكّل ائتلاف الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي أول حكومةٍ وطنيةٍ بعد الاستقلال. ثم حدث ائتلاف آخر بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي، بعد انقسام الحزب الوطني الاتحادي وخروج حزب الشعب الديمقراطي التابع لطائفة الختمية منه. ولعل التدخل المصري هو الذي قاد إلى ظهور حزب الشعب الديمقراطي. والسبب، أن الأزهري قد خيَّب ظن المصريين بوقوفه مع الاستقلال التام عن مصر، بعد أن جعلهم يأملون أنه سيقود جهود الوحدة معها. وقد كان دافع الائتلاف الذي جرى بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي أقرب إلى كونه مكايدةً للأزهري وحزبه الوطني الاتحادي. ففي تلك الفترة شنَّ بعض القادة الاتحاديين، وعلى رأسهم يحي الفضلي، هجومًا شديدًا على السيد علي الميرغني، راعي طائفة الختمية وحزبها؛ حزب الشعب الديمقراطي.
عمومًا تعدَّدت في فترات الديمقراطيات الثلاث صيغ الائتلافات. وكانت الصيغة الأكثر تكرارًا تلك التي جمعت بين حزب الأمة وبين الاتحاديين. حدث ذلك وهم منقسمين إلى حزب وطني اتحادي وحزب شعب ديمقراطي، وكذلك، وهم موحَّدين تحت اسم الحزب الاتحادي الديمقراطي. وقد دخلت جبهة الميثاق الإسلامي في هذه الصيغ الائتلافية أيضا. وكما كان الاتحاديون موحَّدين في البداية، ثم انقسموا، ثم توحَّدوا مرةً ثانية، كذلك انقسم حزب الأمة فأصبح حزبين؛ أحدهما بقيادة الإمام الهادي المهدي، والآخر بقيادة السيد الصادق المهدي، ثم ما لبثا أن توحَّدا لاحقا. أما بعد مجيء نظام الإنقاذ، فقد تشرذم حزب الأمة، مثله مثل الحزب الاتحادي، إلى شظايا متناثرة. وعمومًا فقد اتسمت كل الديمقراطيات الثلاث بعدم الاستقرار السياسي.. لإعطاء صورةٍ صارخةٍ لهذا الداء العضال المتمثل في كثرة المناورات السياسية الجزافية، يكفي أن نذكر أن فترة الديمقراطية الثانية (1965 – 1969) شهدت تكوين أربعة حكومات. وقد كانت تلك الحكومات الأربع على النحو الآتي: حكومة محمد أحمد محجوب الأولى، (يوليو 1965 – يونيو 1966) ، ثم حكومة الصادق المهدي الأولى، (يونيو 1966 – مايو 1967)، ثم، حكومة محمد أحمد محجوب الثانية، (مايو 1967 – مايو 1968) ، وأخيرًا حكومة الصادق المهدي الثانية، (مايو 1968 – مايو 1969). أربع سنوات شهدت تشكيل أربع حكوماتٍ، ترأس كل اثنتين منها زعيمٌ منتمي إلى حزب الأمة! فهل، هناك غرابةٌ، والحالة هذي، أن تصاب الديمقراطيات الثلاث بالعجز والشلل التام عن إنجاز أي شيء؟ وهل يا ترى حدث في أي دولةٍ من الدول تشكيل أربع حكوماتٍ في أربعة أعوام؟ وهل من الممكن أن تنجز أي حكومةٍ في عامٍ واحدٍ انجازًا يمكن محاسبتها عليه بقدرٍ يستلزم إسقاطها وتكوين حكومة جديدة؟ خلاصة القول، إن الممارسة الديمقراطية في السودان كانت ملهاةً وصراعًا غثًّا على الكراسي، لا أكثر. وقد تواصل هذا الداء ووسم تاريخ الممارسة السياسية السودانية بميسمه حتى لحظتنا الحاضرة، الكارثية، الكئيبة هذه.
صناعة التَّشرذُم للبقاء في السلطة في يونيو 1989 أطاح الدكتور حسن الترابي مستعينًا بالعميد عمر حسن أحمد البشير بالتجربة الديمقراطية في حقبتها الثالثة. ومنذ تلك اللحطة أخذ التشرذم منحىً جديدًا، غير مسبوق. فقد أصبح التشرذم صناعة تستهدف إضعاف الخصوم، لكي يبقى من هم في السلطة ممسكين بها دون منازع. وهكذا أخذ نظام الإنقاذ يستثمر، وبقوةٍ، في خلق الانقسامات وسط القوى الحزبية. فانقسم الحزبان التقليديان الكبيران إلى شظايا عديدة، كما سلفت الإشارة. كما انقسم الحزب الشيوعي الذي خرجت من عباءته “حركة حق” التي ما لبثت أن ضعُفت وماتت. كما انقسمت أيضًا الأحزاب الأيديولوجية الصغيرة؛ كحزب البعث والحزب الناصري إلى عدة شظايا. لكن، ما لبث أن انقلب السحر على الساحر نفسه، فطال الانقسام نظام الإنقاذ. فانقسم حزب المؤتمر الوطني إلى حزبين. ثم ما لبث أن تشظت هذه البنية الإسلاموية، نفسها، إلى شظايا عديدة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ ما لبث أن أضاف نظام الإنقاذ مجالاً جديد للانقسامات، إذ اتجه في فترة الصراع مع المليشيات الحاملة للسلاح ضده، إلى تقسيمها، عبر الإغراء بالمال والمناصب. وهكذا، جرى للمليشيات نفس ما جرى للأحزاب. فانقسمت هي الأخرى إلى شظايا. ثم ما لبث أن أضاف إليها الإنقاذيون مليشياتٍ جديدةٍ، خاصةً بعد أن أشعلوا حرب أبريل 2023.
لو رجعنا إلى بدايات حرب دارفور في عام 2003، فإننا نرى بداية تخلُّق المليشيات، التي ظلت تتزايد، ثم لا تلبث أن تنشطر. وقد اجتذب نظام الإنقاذ بعض قادة هذه المليشيات وجعلهم جزءًا من الفاعلين السياسيين المُهمِّين الذين يقفون في صفه ويتلقَّون المال والمناصب، لقاء وقوفهم معه. ولقد شهدنا، بعد ثورة ديسمبر، كيف حُظيت المليشيات باتفاقية جوبا التي شرطت حل حكومة حمدوك الأولى لكي تحصل على ما تراه نصيبا لها من الكراسي، وغير ذلك. فقدحصلت حركات دارفور على 700 مليون دولار سنويًا لإصلاح الخراب. وقد قادت تلك الخطوة آخرين، لم يحملوا السلاح ولم تشهد أقاليمهم حربًا حتى تلك اللحظة، لكي ينشئوا مليشيات مترجلة، أسموها “مسار الوسط” و”مسار الشمال”. لكن، وللغرابة والمفارقة، هجرت مليشيات جبريل ومناوي إقليم دارفور بعد حرب 15 أبريل 2023، وذهبت إلى بورتسودان لتقاتل، جنبًا إلى جنب، في صف النظام الذي كانت تقاتله لأكثر من عقدين من الزمان. يعكس كل ما تقدم ذكره في هذه المقال أن الانخراط في العمل السياسي في السودان، قد كان، ولا يزال، ولن ينفك، حتى إشعارٍ آخر، مجرد وسيلةٍ لتحقيق الأغراض الشخصية؛ من سلطةٍ وثروةٍ ووجاهة. فلا رؤى تقف وراءه، ولا استراتيجيات مدروسة، ولا فهم للكيفية التي تُنبى بها الدولة. فغالبية الفاعلين ليسوا مهتمين بذلك أصلاً، ولا يعون ضرورته. بل هم لم يشعروا في يوم من الأيام أنهم بحاجةٍ إلى ذلك. فقد أثبتت لهم التجربة العملية أنك تستطيع أن تصبح قائدًا بمجرد أن تحمل السلاح وترفع شعارات المظلومية التاريخية.
بعد أن نجحت ثورة ديسمبر 2018 في إزاحة رأس النظام القديم، وبعد أن جاءت الوثيقة الدستورية لترسم خارطة طريق التغيير، أصبحنا نحلم بعهدٍ جديدٍ، نتخلص فيه من سائر أمراض النخب التي أقعدت حقبة ما بعد الاستقلال. لكن، ما لبثنا أن وضح لنا عمليًّا أن التركة المثقلة من الممارسة المعتلة للعمل السياسي، التي تشكَّلت عبر تلك الحقبة الطويلة الممتدة منذ مؤتمر الخريجين، أكبر بكثيرٍ مما يمكن التخلص منه في وقتٍ وجيز. ووضح جليًّا أن داء الاختلافات المفضية إلى التشظي، داءٌ لم يسلم منه أحد؛ سواءً في القوى القديمة، أو القوى الحديثة… ولذلك أصابت جسد تنظيم الثورة المُسمَّى “قوى الحرية والتغيير”، الانشطارات الأمبيبة، أيضا. تشاكس الحزب الشيوعي منذ البداية مع قوى الحرية والتغيير. بل دعا لإسقاط حكومة حمدوك الوليدة. ثم، تحوَّلت “قوى الحرية والتغيير” إلى صورةٍ جديدٍ، سُمِّيت “تقدُّم”، وما لبثت “تقدم” أن تحوَّلت إلى جسمٍ جديدٍ سُمِّي “صمود”. وفي كل نقلةٍ من هذه النقلات، كانت “قوى الحرية والتغيير تفقد مكوِّنًا مهمًّا من مكوِّناتها. وفي تقديري الشخصي، أن “صمود” لا تجمع في داخلها، الآن، قوىً ذات وزنٍ جماهيريٍّ حقيقي. وكل ما تجده من انتباهٍ وتعاطفٍ من دول الاتحاد الأوروبي، إنما هو، في تقديري، بسبب وجود الدكتور عبد الله حمدوك على رأسها، لا أكثر. والمؤسي أكثر، أن بعض مكوِّنات صمود لا تخلو، في نظري، من تماهٍ، قلَّ أو كثر، مع الأجندة المصرية.. إن التشظي الراهن وموقف الحياد السلبي الذي اختارته “صمود” يعكس من وجهة نظري انصرافًا عن النظر نحو الأفق البعيد، والانحصار في النظر إلى ما تحت القدمين. ويمثل هذا، في تقديري، تغليب الهدف “التكتيكي” على الهدف “الاستراتيجي”، وهو نهجٌ مضرٌّ طالما رُزئنا به. تريد صمود أن تكون موجِّه الحالة الانتقالية القادمة، رغم أنها لا تملك، من وجهة نظري، الوزن الجماهيري الذي يؤهلها لذلك. كما لا تملك القوة الخشنة التي تضمن لها الحراسة من وحش الإسلاميين المتربص بها وبكل ناشدٍ للتحول الديمقراطي. إلى جانب ذلك، فإن انحصار التفكير في قيادة الفترة الانتقالية، سواءً طالت أو قصرت، فيه غض للبصر عن مرحلة التنافس الحزبي في الانتخابات التي تعقب الفترة الانتقالية. فالانتخابات الحرة النزيهة التي ينبغي أن تعقب الفترة الانتقالية، هي ما ينبغي أن نتشغل به جميع القوى السياسية، من أجل تحقيق الاستقرار السياسي المستدام.
الراجح لديًّ أن “صمودًا” سوف تخرج من اللعبة السياسية تمامًا، في الانتخابات القادمة، التي تلي الفترة الانتقالية، بسبب ضعف الاصطفاف الجماهيري خلفها. ولذلك فإن موقف الحياد الذي تتخذه حاليًّا، موقفٌ يدخل في نهج التكتيك قصير النظر الذي سيقودها إلى الزوال، أويقودها في أحسن الفروض، إلى أن تصبح قوةً هامشية. ولو حدث أن تمكن المجتمع الدولي في وضع “صمود” في قيادة الفترة الانتقالية، وهو أمرٌ مستبعدٌ جدًا، من وجهة نظري، فإن ذلك لن يمنحها، في أفضل التقديرات، سوى فرصة الركوب على قطار التغيير لمحطةٍ واحدةٍ، فقط. إذ ستجبرها نتائج صندوق الاقتراع في الانتخابات التي ستكون مدخلاً على بداية الفترة الديمقراطية المقبلة، على النزول منه،. وغالبًا، ما يكون نزولاً لأجلٍ غير مسمى. وهذا الاحتمال، على ضعف قابليته للتحقق، وعلى قصر مداه، إن هو تحقق، سيقود إلى نهايةٍ مغلقة. ولربما تحدد الأيام القريبة القادمة وضعية “صمود” في المرحلة المقبلة. فقط دعونا، ننتظر
ختامًا، على تحالف تأسيس، هو الآخر أن يستثمر في الاستراتيجي، لا في التكتيكي. وأعني بذلك الانخراط في التفكير والتنظيم، منذ الآن، لخوض الانتخابات التي تلي الفترة الانتقالية، ككتلةٍ واحدةٍ متماسكةٍ تحرز من المقاعد ما يجعلها تسيطر على البرلمان. بهذا وحده يحدث الانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية، ويحدث الاستقرار المستدام. لكن، هذا مشروطٌ بأن يقود الصراع الحالي إلى توافقٍ سياسيٍّ، لا يفرط في أي هدف من أهداف ثورة ديسمبر. وتعقب ذلك التوافق فترةٌ انتقالية، ثم انتخاباتٍ عامة. ومن قراءتي لما جرى للقوى السياسية السودانية من شرذمة أستطيع أن أقول إن تحالف تأسيس سيكون هو الكتلة المرشحة لاكتساح الانتخابات التي سوف تلي الفترة الانتقالية. لكن، على أن يبقى التحالف متماسكًا وواضح الرؤية وناظرًا نحو الأفق البعيد. أما إذا لم تقف الحرب بالتفاوض، ولم يحدث توافق سياسي، فسوف تتخلق سيناريوهاتٌ أخرى، سوف تفرض نفسها، حينها. وسيكون وقوف “صمود” في الحياد، الذي دعم، من حيث أراد أو لم يرد أهله، معسكر الإخوان المسلمين والجيش، وأجندة النظام المصري، هو السبب في بروز تلك السيناريوهات الأخرى، التي نسأل الله أن يجنِّبنا حدوثها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.