يا أخت بلادي ياشقية..

د. التوم حاج الصافي زين العابدين

وصلتُ إلى مصر قادمًا بعد معاناةٍ طويلة في الحصول على الموافقة الأمنية، من العاصمة السعودية الرياض، بعدما دفعتُ ألف دولار فقط من أجل السماح لي بمقابلة أهلي. وما إن وصلت، حتى تصادف وجودي مع ذروة الحملات الأمنية على السودانيين.
مكمن دهشتي أن هذه الحملات لم تقتصر على فئة بعينها؛ حتى معلمو المدارس السودانية منحوا الطلاب إجازات خوفًا من الكشّات. وسرعان ما تبيّن أن هذه الحملات لا تستثني أحدًا، لا مقيمًا ولا حامل بطاقة مفوضية، ولا حتى من دخل البلاد دخولًا رسميًا.
الأكثر صدمة أن الصبايا، وكبار السن، والنساء، جميعهم عرضة للتوقيف. رأيتُ بأمّ عيني هلعًا حقيقيًا سببه ما يتناقله الناس عن ممارسات داخل أماكن الاحتجاز من إهانات تمس كرامة السودانيين، في مشهد لا يزعج إلا من اعتاد الانبطاح، البرهان وتوابعه من أراذل السودان، حكّام الغفلة وواجهات الكيزان الجدد.
تملّكني الخوف أنا الآخر، وأدركتُ أن دخولي الرسمي لا يمنحني أي حصانة. سألتُ، على استحياء: أين السفارة؟ وأين أولئك الذين ملأوا المنصات بعبارة “شكرًا مصر”؟ هل كانوا يقصدون هذا الواقع؟
سرعان ما اتضح أن السفارة وسفيرها عدوي وحاشيته من الكيزان مشغولون بافتتاحات المباني الجديدة في زمن المسغبة، وبالولائم والمجاملات، لا بشؤون الناس ولا بكرامتهم. وهو انشغال يكشف أن إهانة السوداني لم تعد أمرًا طارئًا، بل واقعًا لا يزعجهم، وربما يروق لهم.
ما يحدث ليس خطأً عابرًا ولا تجاوزًا فرديًا، بل نهجٌ كامل يُمارَس بثقة؛ لأن لا مساءلة، ولا موقف، ولا صوت يتكلم باسم السودانيين. فحين تُسحب الكرامة من رأس الدولة، يصبح المواطن مستباحًا في الشارع وتحت أي ذريعة.
المشهد كان واضحًا: أوراق مكتملة، إقامات، بطاقات مفوضية، أختام دخول رسمية، ومع ذلك لا اعتبار ولا احترام. الكشّة لا تميّز بين رجل وامرأة، ولا بين شيخ وطفل، ولا بين طالب علم وأمٍ تبحث عن الأمان؛ الجميع في دائرة الخوف نفسها.
هذا الخوف لم يكن وهمًا، بل نتاج شهادات وقصص متداولة عمّا يجري داخل أماكن الاحتجاز من تحقير وتعامل فجّ، كأن السوداني يفقد إنسانيته بمجرد عبوره الحدود. واقعٌ معروف، ويتجاهله من يفترض أنهم وُجدوا لحماية الناس لا للتفرج على معاناتهم.
يتكرر السؤال دون إجابة: أين الدولة؟ أين التمثيل الرسمي؟ وأين أولئك الذين تحدثوا عن الأخوّة والعلاقات التاريخية؟ هل كان الشكر عربون صمت، أم مبررًا لغض الطرف عن الإذلال؟
ما يجري في مصر ليس منفصلًا عما يحدث في الداخل. الإهانة في الخارج امتداد طبيعي للقهر في الوطن، والصمت الدبلوماسي صورة أخرى من صور التفريط. لا غرابة في الكشّات، ولا في الإذلال، ولا حتى في الصمت الرسمي؛ الغرابة الحقيقية أن يُطالَب الناس بالصبر، وبفهم “الظروف”، وبشكر من لا يرى فيهم سوى عبء أمني.
هذه ليست أزمة إقامة ولا حملة مؤقتة، بل إعلان صريح عن سقوط قيمة السوداني، وسقوط من يدّعون تمثيله. وحين تسقط الكرامة، يصبح الكلام واجبًا لا ترفًا، ويغدو الصمت جريمة لا حيادًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.