طيف أول:
يقلب الهواجس كلما عادت تناهيده مكسورة،
وكلما حاول أن يحكم قبضته على أمنياته، وجد أن يده تفقد القوة!
ورهاننا على تحركات القوى المدنية “صمود” كان قبل وصولها إلى أوروبا، على أنها ستقوم بتحركات فاعلة وجوهرية تشكل علامة فارقة، ويكون لها أثر قوي على المشهد السياسي
لكننا لم نراهن حينها على أن الأثر سيكون موجعاً إلى هذا الحد على السلطة الانقلابية، لأن ردة فعلها فاقت حجم التوقعات.
والقيادة العسكرية، التي ما زالت تعمه في ضلالها، تكشف يومياً أنها تقف ملوّحة على تخوم النهايات.
ففكرة أن الفريق البرهان وكيزانه ما زالوا يهددون الخصوم السياسيين بعدم السماح لهم بالرجوع إلى السودان، هي مختصر لحالة فراغ العقلية السياسية الحاكمة وجهلها السياسي.
وقبل أسابيع، تحدثنا هنا أن المجتمع الدولي سيجد نفسه يواجه “بشيراً جديداً”، والبرهان الآن ينطق بلسانه. لكن كل الذين أقسم البشير أنهم لن تطأ أقدامهم السودان، دخلوا السودان عبر بوابة القصر الجمهوري.
واستقبلت حكومته الدكتور جون قرنق بعدما أصبح أنشودة للكتائب الجهادية (اشرب جبنة في بور محل ما ولدت)، ودخل قرنق الخرطوم وقدمت له القهوة في مكتب الرئيس!!
ورفعت الحكومة عصاها في وجه حركة العدل والمساواة، وصوّرت جبريل وخليل على أنهما وجهان لعملة الشر والقتل، وأقسمت ألا يكون لهما مكان في السودان إلى الأبد.!!
والآن جبريل أهم وزير في الحكومة الكيزانية لايملك البرهان قراره عليه.
ومن هو مناوي في نظر الحكومة!!
ففي 2015 بشرت الحكومة المواطنين قائلة: (إن حركة المتمرد مني أركو مناوي أقرت بهلاك قائد عملياتها المتمرد “الهالك” محمد هري شردقو في كمين نصبته على مناطق وجود “المرتزقة”).
ولا شك أن القارئ وقف عند مصطلحي “الهالك” و”المرتزقة”!
ثم دخل مناوي عبر مطار الخرطوم بصفته كبير مستشاري رئيس الجمهورية
والآن يخشى البرهان من القيادات المدنية التي هزمت نظرية “أن القوة لا تأتي إلا بالسلاح”، وأكدت أن السلمية أكبر مهدد لعروش الطغاة.
وبهذا الخطاب كشف الجنرال أن دواخله ترتعب، وأنه يقف على أرضية هشة متصدعة، حتى أن قلبه لم تغشاه طمأنينة، رغم وجوده في أحد بيوت الله!!
وهو الذي أجهر بالقول ضد قيادات “صمود”، لكنه كظم غيظه من الكتلة الديمقراطية التي يختلف معها أيضاً، بعدما شن هجوماً عليها قبل أيام لم يعلنه على الملأ، واتهمها بالفشل والتشرذم.
وكشفت المصادر أمس عن أسباب خلافات الجنرال مع الكتلة الديمقراطية، إذ اجتمع مني أركو مناوي مع عدد من قياداتها وأخبرهم أن هناك مؤامرة من القيادات العسكرية والإسلامية تسعى إلى تقسيم البلاد، وأن الفاشر ونيالا تم تسليمهما والتنازل عنهما للدعم السريع.
لكن أحد قيادات الكتلة نقل ما دار في الاجتماع إلى البرهان، الأمر الذي جعله يكيل الاتهامات للكتلة الديمقراطية ولمناوي ويتهمهما بالفشل السياسي.
وأضاف المصدر أن البرهان يعمل على إزاحة مناوي من حركة تحرير السودان ليكون قائدها محمد بشير عبد الله أبونمو وأكد المصدر أن نور الدائم طه، وزير المعادن ومستشار مناوي السياسي، اختار الوقوف بجانب البرهان بدلاً عن مناوي.
ويرى البرهان وبعض القيادات الإسلامية إنهم على يقين بأن مناوي له تواصل مباشر مع قوى سياسية تعمل لأجل السلام، واتصالات مع دول تصب جهودها في ذات الاتجاه، وأنه لم يعد محل ثقة. وذكر المصدر أن مناوي الآن يقف على عتبة مغادرة الميدان
ومن هنا تتضح حالة “الكرونوفوبيا”
( مرض الخوف من مرور الوقت ومواجهة المستقبل) االتي يعاني منها الجنرال، والتي بلا شك تجره إلى ساحة العداء مع خصومه السياسيين، سواء الرافضين للحرب أو داعميها، أو حتى المقاتلين باسم الجيش، إذ يشعر أن الجميع يعملون من أجل طي صفحات عمره في الحكم.
فالجنرال لا يشبه البشير في مراحله الأخيرة فقط، بل يجسد دوره تماماً على خشبة المشهد الآن. فكلما ضاقت مساحات العزلة اتسعت مساحة الشك في الآخر!!
فالمخلوع في آخر أيامه حدث له هبوط في الثقة حتى في القوات المسلحة، وقرب إليه حميدتي وقالها في وجه قيادات المؤسسة العسكرية وهو يربت على كتفه: (حميدتي لحمايتي).
فهل فقد البرهان الثقة في أنصاره السياسيين وأعضاء مجلسه والمجتمع الدولي والحلفاء والشعب السوداني
ولهذا جاء خطابه هكذا لخصومه!!.
طيف أخير:
بالرغم من نفي السفير السوداني بمصر وجود اتفاق بين الحكومتين لإذلال السودانيين، إلا أن البرهان يقف خلف هذه المعاناة.
كيف لا، وإقامة دولته الجديدة وتكوين مجلس تشريعي للشعب في الخرطوم، لا يعترضه سوى أنه عندما حاول العودة إلى العاصمة، وجد نفسه جاء بالمجلس ولم يجد الشعب!!
فإن لم يجبر الناس على العودة القسرية، لن يستطيع إقامة إمبراطورية الجماجم
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.