أثارت تصريحات الباحثة أماني الطويل حول طلب سلطات السودان التضييق على رعاياها في مصر عاصفةً من الجدل، لم تكن جديدة في جوهرها بقدر ما كانت كاشفة لواقع ظلّ يتشكّل بصمت منذ اندلاع الحرب. حديث الطويل لم يأتِ من فراغ، بل لامس مخاوف حقيقية تعيشها جموع السودانيين في القاهرة، وهو ما دفع رئيس تحرير صحيفة «مصادر» الأستاذ عبدالماجد عبدالحميد إلى نبش ممارسات قديمة متجددة، لا يمكن إنكار وجودها أو تجاهل آثارها.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن هذا الحراك الإعلامي لم يكن ليبلغ مداه، لولا ما وصفه البعض بـ«هبش السلطة»؛ فالتصريحات الصادمة كثيرًا ما تكون هي المحفّز الوحيد لكسر الصمت الرسمي. فطوال فترة حملة الميديا التي بثّت الرعب والهلع في نفوس الناس، ظلّ الصوت الرسمي غائبًا، تاركًا الساحة للشائعات والتسريبات والمعلومات المتضاربة، في وقتٍ كان المواطن فيه أحوج ما يكون إلى كلمة تطمين واضحة ومسؤولة.
ومع تداول تسريبات عن توجيهات حكومية سودانية للتضييق على رعاياها في مصر – سواء كانت صحيحة أو جزءًا من حملة مضادة – بدا أن الخطر قد بلغ مستوىً استدعى التدخل. عندها فقط خرج السفير السوداني عدوي في مؤتمر صحفي، محاولًا وضع بعض النقاط على الحروف، وإن لم تكن جميعها.
لا شك أن الدبلوماسية تفرض خطوطًا حمراء لا يستطيع أي سفير تجاوزها، لكن ذلك لا ينفي أهمية المؤتمر الذي حمل، ولو جزئيًا، رسائل طمأنة للسودانيين، لا سيما فيما يتعلق بملف المدارس، الذي يُعدّ أحد أعمدة استقرار الأسر السودانية في مصر، إلى جانب قضايا الأمن والمعيشة الكريمة.
غير أن السؤال الأهم يظل قائمًا: لماذا يتأخر التوضيح الرسمي دائمًا إلى ما بعد تفاقم القلق؟ ولماذا يُترك المواطن لمواجهة الخوف وحده، ثم يُطلب منه الاطمئنان لاحقًا؟ إن إدارة الأزمات لا تُقاس فقط بحجم التصريحات، بل بتوقيتها ووضوحها، وبمدى اقترابها من هموم الناس الحقيقية.
ما يحتاجه السودانيون في مصر اليوم ليس مجرد مؤتمرات صحفية متأخرة، بل سياسة تواصل شفافة، تحترم حقهم في المعرفة، وتضع أمنهم واستقرارهم فوق أي حسابات سياسية أو دبلوماسية ضيقة. فحين يغيب الصوت الرسمي، تتكلم الشائعات… وغالبًا ما تكون هي الأعلى صوتًا.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.