سلامٌ مؤجل على حافة الصراع

نورا عثمان

في سباقٍ محموم مع الزمن، تبدو تحركات الأمم المتحدة في السودان كمن يحاول انتشال وطنٍ من بين أنياب حربٍ لا تكتفي بابتلاع الحاضر، بل تمتد لتقضم ما تبقّى من المستقبل. جولات المبعوث الخاص بيكا هافيستو، المتنقلة بين العواصم، تحمل في ظاهرها أملاً دبلوماسياً، لكنها في عمقها تكشف عن حجم التعقيد الذي باتت عليه الأزمة السودانية. فالسودان اليوم ليس مجرد ساحة نزاع، بل عقدة متشابكة من المصالح، والتاريخ المثقل، والانقسامات التي تتغذى على ذاتها.

قد تبدو مؤشرات الانخراط الدولي إيجابية، خاصة مع تصاعد الدعوات لوقف إطلاق النار وفتح ممرات إنسانية، لكن التجارب القريبة تقول إن الطريق إلى السلام في السودان لا يُعبّد بالنوايا وحدها. فكل محاولة خارجية تصطدم سريعاً بجدار الداخل، حيث تتنازع القوى المختلفة على النفوذ، وتُعاد صياغة المشهد وفق حسابات لا تعترف كثيراً بمعاناة الناس. هنا، لا يصبح السؤال عن جدية المجتمع الدولي، بل عن قابلية الداخل نفسه لأن يُنقذ ذاته.

في قلب هذه التعقيدات، يبرز ما يُوصف بعراقيل التيار الإسلامي، كعاملٍ لا يمكن تجاهله في معادلة الصراع. فالتنظيم، الذي خبر مفاصل الدولة لعقود، لا يزال يمتلك قدرة على التأثير، سواء عبر شبكات النفوذ أو عبر حضوره داخل مؤسسات حساسة. هذا الحضور، بالنسبة لكثيرين، لا يُقرأ فقط كقوة سياسية، بل كعقبة أمام أي مسار قد يُفضي إلى تفكيك إرثٍ طويل من التمكين. وهنا، يصبح السلام مهدداً ليس فقط برصاص الحرب، بل أيضاً بحسابات من يخشون نهايته.

لكن، وبين كل هذه التعقيدات، يظل الغائب الأكبر هو الإنسان السوداني. ذلك الذي لا يعنيه اسم المبعوث ولا تفاصيل المبادرات، بقدر ما يعنيه أن ينام دون صوت قذيفة، وأن يجد ما يسد به جوع أطفاله. ملايين النازحين واللاجئين لا ينتظرون بيانات، بل ينتظرون نهاية حقيقية لهذه الكارثة التي سلبتهم بيوتهم وأحلامهم معاً.

إن نجاح أي جهد دولي لن يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بقدرته على كسر هذه الحلقة المفرغة بين الداخل والخارج، بين السياسة والمعاناة. فالسودان لا يحتاج فقط إلى وساطة، بل إلى إرادة حقيقية تُعيد تعريف السلطة بوصفها مسؤولية لا غنيمة. وحتى يحدث ذلك، سيظل السلام فكرةً مؤجلة، تُكتب في بيانات الأمم المتحدة… وتُمحى على أرض الواقع.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.