هيام البشري ترد على مقال محمد الأمين بعنوان: «ضبط بوصلة الحركة النسوية: مدخل لهندسة السلام المستدام في السودان»

هيام البشرى

في البدء، لك التحية الأستاذ محمد الأمين على تناولك هذا الإرث الثوري والنضالي المتراكم للمرأة السودانية على امتداد الحقب التاريخية المنصرمة، وصولًا إلى تاريخنا المعاصر الآني، وعلى تسليطك الضوء على هذه القضية في هذا التوقيت الحرج الذي تمر به بلادنا، في ظل أكبر كارثة إنسانية صُنّفت على مستوى العالم.
فهذا – إن دلّ – إنما يدل على أن الحركة النسوية ظلت راسخة في مساهماتها في التغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي، وهو ما يزيد من حجم التحدي الملقى على عاتقها في مواصلة لعب الدور الأكبر في قضايا السلام، من خلال مخاطبة أهم قضايا المشاركة في الراهن والمستقبل.
_كما دفعني أيضا لمشاركة هذا التعليق اهتمامك بالتعضيد على ذكر بسالة النساء في ثورة ديسمبر المجيدة 2018، والتي أشرتَ إلى أنها أفرزت حركة نسوية أكثر حداثة ووعيا. وأذكر هنا، من موقعي المتواضع كإحدى الفاعلات في ذلك الحراك، وعضوة بلجان المقاومة – تنسيقية لجان أحياء أمبدة – كيف أسهم هذا الحراك في الدفع بعجلة الحركة النسوية، وإحداث تغيير ملموس في مسارات فعلها، رغم التحديات الواسعة التي واجهتها ولا تزال.
_وأتفق معك إلى حدٍ كبير في جانب السرد التاريخي الذي تناولته، عبر محطات تاريخية فارقة في مسيرة هذه الحركة.
“” والان دعني اشاركك مناقشة بعض القضايا التي سلطت الضوء عليها وذلك لأني أرى أهميتها كقضيايا يتم طرحها في راهن الحركة وهي:
أولًا: قضية الإقصاء المتعمد للنساء
أشرتَ في نهاية الفقرة الأولى، وبعد السرد الحافل بالنضالات والمساهمات المصحوبة بتضحيات عظيمة، إلى قضية الإقصاء المتعمد للنساء. وهنا أتفق معك، وذلك استنادًا إلى تجربتي المتواضعة في الحراك الثوري والسياسي الراهن. فالحرب الآن تقارب إكمال عامها الثالث، ومنذ الطلقة الأولى في 15 أبريل 2023، لم تتوقف مساهمات النساء عبر الأجسام النسوية، والمبادرات الإنسانية، والتحالفات السياسية، والتنظيمات المختلفة. لكن الشاهد أن المشاركة الفعلية في المنابر والمشاورات – المباشرة وغير المباشرة – المتعلقة بأطراف الحرب والقوى السودانية الفاعلة، قد صاحبها غياب واضح وضعف شديد في التمثيل السياسي للنساء.
ونذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر، منابر: جدة، المنامة، الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، جنيف، القاهرة، واشنطن وغيرها.
ومن هنا تبرز أسئلة جوهرية في ساحة العمل السياسي والمنابر النسوية والإقليمية والدولية: لماذا يتم إقصاء النساء من المشاركة الفعلية؟ من الذي يقوم بهذا الإقصاء؟ من المستفيد منه؟ ما أسبابه الرئيسية؟ وما هي سبل معالجته؟
ورغم تطرقك إلى قضية الإقصاء، إلا أنك لم تُفرد مساحة كافية للأسباب الفعلية له، واكتفيت ببعض التوصيات في ختام المقال، مع الإشارة إلى ذكر تحدٍ بنيوي يتمثل في تعدد الهويات والتباينات السياسية التي تُضعف القدرة على بناء أجندة وطنية موحدة.
وهذا التحدي – في تقديري – يحتاج بدوره إلى تفكيك أسبابه.فهل تعتقد أن هذه الأسباب:أيديولوجية؟ ثقافية أو اجتماعية؟جغرافية؟ ناتجة عن هيمنة ذكورية وإقصاء ممنهج (بوعي أو دون وعي)؟أم تتعلق بالتأهيل والممارسة؟
أم بتباينات تنظيمية ومؤسسية؟أم بأجهزة الدولة نفسها؟
ثانيًا: من الاحتجاج إلى الفعل:
ذكرتَ ضرورة خروج المرأة من دائرة الاحتجاج إلى دائرة الفعل، وأشرتَ إلى كثرة الأجسام النسوية حاجتها للتنسيق لبناء أجندة وطنية موحدة.وهنا أرى أن الإشكال ليس في التحول من الاحتجاج إلى الفعل، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار – وهو ما أتفق معك فيه – أن النساء موجودات بالفعل في دائرة الفعل، بدليل الإسهامات الطويلة التي ذكرتها بأمثلتها التاريخية وشخوصها.
فالنساء حاضرات في التنظيمات السياسية والتحالفات المختلفة، لكن السؤال الحقيقي هو: كيف نضمن مشاركة فعلية لهن داخل هذه الأجسام؟ومن هي القوى القادرة على تحقيق ذلك؟وهل يعود ضعف المشاركة أحيانًا إلى طبيعة عمل بعض المنظمات الإقليمية والدولية المنخرطة في ملف السلام السوداني، والتي كثيرًا ما لا توجه دعوات مؤسسية للكيانات النسوية، مما يضعف التمثيل؟ ويظل جنيف نموذجًا لذلك.
ثالثًا: حول “عدم حقيقية” مشاركة البنات والنساء
في النقطة المتعلقة بأن مشاركة البنات والنساء غالبًا ما تكون غير حقيقية، أسمح لي باختلافٍ طيب، قد يكون سببه تباين مسارات الفعل الثوري والسياسي والمجتمعي بيننا. ومن واقع تجربتنا في لجان المقاومة، أورد بعض النماذج المشرفة لمشاركة البنات في الفعل السياسي الحقيقي:
في أغسطس 2019، خلال حفل التوقيع النهائي على الوثيقة الدستورية بقاعة الصداقة، شاركت الأستاذة دار السلام عبد الله – المحامية وعضوة مكتب الاتصال بتنسيقية لجان أحياء أمبدة وعضوة محامي الطوارئ – كممثلة عن الحراك الثوري.
كما أشير أيضافي ديسمبر 2022، شاركت الأستاذة زلفى محمد ممثلةً لمكتب الاتصال بلجان مقاومة أمبدة، وهي شابة فاعلة في الثورة، خريجة علم النفس من جامعة الأحفاد، ورياضية محترفة في كرة السلة،مثلت الأحفاد وفريق كرة السلة بنادي المريخ السوداني وقد شاركت في النقاشات السياسية الرفيعة المتعلقة بالاتفاق الإطاري لأستعادة المسار الديمقراطي.
_كما أذكر – وبفخر – مشاركتي وتمثيلي السياسي في المؤتمر التأسيسي لـ«تقدم»، والذي جاء نتيجة مباشرة لرفع تمثيل المرأة والبنات، باعتباره أحد مرتكزات الفعل السياسي للجان المقاومة في السودان، وتجسيدًا عمليًا لشعارات ثورة ديسمبر المجيدة التي شاركت فيها الكنداكة كتفا بكتف مع الترس وهي مانراه نحن تمثيل ذاكرة ثورتنا السلمية العظيمة ،فهذا يدل أننا في تجربتنا الحديثة في ديمقراطية مشاركة النساء،والمساواة في التمثيل الحقيقي للمرأة كان ايمان راسخ ووعي ثابت في العقل والتفكير الجمعي للجان المقاومة وهي تنزيل شعارات ثورتناالمجيدة لقاعدة التطبيق من حيث ذلك الشكل من الممارسة الثورية السياسية والعمل التنظيمي يكاد لايتوفر في اعرق التنظيمات السياسية.
رابعا:التمثيل الصوري “النفير”
ومع ذلك، أتفق معك في أن التمثيل كثيرًا ما يكون تمثيلًا صوريًا، أو كما نقول في المثل السوداني: «تمومة جرتق».
إذ تُستدعى بعض النساء لأغراض إعلامية أو تجميلية، دون تمكين حقيقي داخل مواقع صنع القرار، مما يجعل مشاركتهن مؤقتة ولحظية.والخلل هنا مؤسسي وبنيوي، ويتجلى في اعتماد مبدأ “النفير” بدل البناء التراكمي، وهو ما يعكس تبنّي خطاب الديمقراطية قولًا لا فعلًا، وشعارات الحرية والسلام والعدالة دون تنزيل حقيقي لها. وهنا يبرز سؤال الأسباب مرة أخرى:هل هو ضعف في تحقيق نسب التمثيل؟أم خلل داخل التنظيمات؟أم بنية تنظيمية مختلة؟أم ضعف الصراع التنظيمي لانتزاع الاستحقاق؟أم مزيج من كل ذلك؟
خاتمة وتوصيات
ختامًا، المقال يفتح أسئلة كثيرة تستحق نقاشًا أوسع في مقبل الأوقات القادمة.
توصيات مختصرة:
* تناول القضايا الجوهرية للحركة النسوية مع تفكيك أسبابها يجعل الطرح أكثر شمولًا وموضوعية، ويسهم في الوصول إلى حلول عملية.
* التباين داخل الأجسام النسوية لا ينبغي أن يُتخذ ذريعة للإقصاء أو ضعف المشاركة.
* ربط التاريخ النسوي المعاصر براهن المشاركة السياسية داخل التنظيمات سيساعد في تشخيص الخلل التمثيلي، وتوجيه بوصلة الحركة النسوية نحو سلام مستدام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.