الرؤية من “ثقب الباب التاريخي” هي التي شكلت أزمة الوعي المصري تجاه السيادة السودانية

المحامية نفيسة حجر

​على النخبة المصرية، ومن ورائها الشارع المثقل بالأوهام، أن يدركوا الحقيقةً المرّة فما تسمونه “دوراً مصرياً” في السودان ليس سوى ممارسة فجة لـ “سيكولوجية الوصي” الذي فقد مفاتيح البيت.
لقد حان الوقت لتكف القاهرة عن استخدام لافتة “مصر الأخت الكبرى”؛ ففي القاموس السياسي المصري، لم تكن هذه العبارة يوماً تعبيراً عن المودة، بل كانت غطاءً دبلوماسياً لممارسة “الوصاية القسرية” ونهب الموارد واعاقة استقلال القرار في السودان .
​إخوتوا المصرين اسمعوا وعوا، أزمة مصر الحقيقية تكمن في “ثقب الباب التاريخي” الذي تصررون على النظر عبره.
هذا الثقب الضيق الذي يزيّن لكم خرافة “التاج الواحد” فهو بمثابة عطب معرفي مخجل، فبينما كان السودانيون يبذلون الدم لانتزاع استقلالهم، كنتُم وما زلتم تتوهمون أن السودان “جزء انفصل عن أصله”. إن هذا الاستعلاء الذي يرتدي ثوب “الأخت الكبرى” هو في جوهره استلاب للسيادة،فالأخت الكبرى في عرفكم هي التي تملك حق التوجيه، وحق تقرير المصير، وحق اختزال دولة بمثابة قارة في “ملف أمني” و”مخزن للموارد”، متوهمين أن “الأخوة” تمنحكم صكاً مفتوحاً لتعطيل إرادة شعب كامل.
​كفوا عن وهم الوصاية، فالسودان في رؤيتكم ليس شريكاً نِدّياً، بل هو “منجم مفتوح” لإطعام أسواقكم وترميم اقتصادكم المترنح.
إن استقواءكم بتبعية السودان جعلكم تستبيحون مقدراته بصلفٍ لا نظير له، حيث تستحوذ مصر على 65% من الصادرات السودانية بأسعار زهيدة، ليتم تحوليلها في مصانعكم عبر إعادة التعبئة المضللة إلى “منتج مصري” يُصدّر للعالم.
حتى الثروة الحيوانية السودانية، التي هي عصب حياة الملايين، لم تسلم من هذا السطو، إذ تُساق القطعان وتُذبح لتوضع عليها “الديباجة المصرية” كمنتج محلي، في أكبر عملية تزييف للهوية الإنتاجية في المنطقة.
حتى التبلدي والعرديب اللذان لا ينموان في الأراضي المصرية بالإضافة إلى الصمغ العربي الذي يعتبر منتج سوداني خالص جميعها لم تسلم من الأساليب الاحتيالية.
هذا “التطفل الاقتصادي” الذي يسرق عرق المنتج السوداني وينسبه للذات المصرية هو الوجه الأقبح لثقب الباب، أنتم لا تريدون سوداناً مستقراً ومنتجاً، بل تريدونه “ظهيراً رعوياً” تابعاً يضمن امتلاء موائدكم على حساب جوعه.
​إن خوفكم من قيام دولة مدنية سيادية في السودان هو خوف “المرعوب من المحاسبة”؛ تخشون أن ينجح السودانيون في بناء نظامٍ يغلق صنابير النهب، ويطالب بحقوقه في المياه والكرامة، ويحمي محاصيله ولحومه من “القرصنة التجارية” التي مارستموها طويلاً تحت ذريعة “رعاية الأخت الكبرى”.
​لقد انهار نموذج “الإدارة بالأخوة الزائفة” للأبد. السودانيون اليوم، في مخاض سيادتهم العسير، يكسرون الباب الذي تراقبوهم من ثقبه. إنهم لا يطلبون منكم “حكمة الأخت الكبرى” ولا وساطتها، بل يطلبون منكم شيئاً واحداً: ارفعوا يد الوصاية والنهب عنهم.
تصالحوا مع حقيقة أنكم لم تعودوا “المركز”، وأن السودان لم يعد “التابع”. إن السيادة السودانية ليست منحة من القاهرة، بل هي حقٌ يُنتزع، وقد آن للوعي المصري أن يستفيق من غيبوبة “التاج” ليرى في السودان دولةً مستقلة، لا مجالاً حيوياً للتبعية الاقتصادية والسياسية المقنّعة.
​إن السودان الجديد هو “الصدمة” التي ستعري عجزكم عن فهم معنى الجوار، وما لم تتحرروا من “ثقب الباب”، ستجدون أنفسكم معزولين في ردهة التاريخ، بينما السودان يشيد مستقبله بندّيةٍ لن ترحم أوهامكم القديمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.