استفهام

أطياف- صباح محمد الحسن

طيف أول:
رغبة الحرف التي
تصب في منتهى الحبر
لتكتب عن رذاذ الشعور
ذلك الذي سيملأ الأمكنة
بالنور حين يحين موعد السلام.
ورئيس مجلس الوزراء بحكومة بورتسودان كامل إدريس، خلال اجتماعه مع المفوض الأممي السامي لحقوق الإنسان، قدّم سردًا للفظائع والانتهاكات غير المسبوقة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق المدنيين، وتناول مبادرة حكومة الأمل للسلام واستعرض بنودها، خاصةً محاورها ذات الصلة بحماية وتطوير حقوق الإنسان بالبلاد، وما يتعلق بالعمل الإنساني. وأكد استمرار حكومة الأمل للسلام في التعاون والتنسيق والانخراط البنّاء مع آليات حقوق الإنسان بالبلاد، ممثلةً في المكتب القطري للمفوضية السامية لحقوق الإنسان والخبير المعيّن المعني بحالة حقوق الإنسان في البلاد.والذي يستدعي الاستفهام أن المفوض السامي لحقوق الإنسان كان في السودان قبل أسبوعين، وهو الذي خاطب جلسة خاصة للمجلس في نوفمبر الماضي، شملت تقريرًا كافيًا عمّا حدث في الفاشر بعد استيلاء الدعم السريع عليها.
فمجلس حقوق الإنسان وضع يده على كل الجرائم التي ارتكبتها هذه القوات بالفاشر وفي كل المدن التي دخلتها وارتكبت فيها كل ما هو فظيع وفادح، لكنه بحاجة إلى حصر ما ارتكبته القوات الأخرى، وهو ما يحاول إدريس تغطيته.
والمفوض بلا شك طرح سؤالًا على كامل إدريس: لماذا تقبل حكومتكم التعاون مع مكتب المفوضية القطري في السودان ولا تقبلون التعاون مع بعثة تقصي الحقائق التي كوّنها مجلس حقوق الإنسان بقرار منه؟ والذي يقف إدريس على بابه الآن يلتمس القبول. فليس من المنطق أن يقنع إدريس المسؤولين في مجلس حقوق الإنسان بأنه رجل دولي شفاف، بينما حكومته ترفض دخول بعثة تقصي الحقائق. فطالما أن الجيش وكتائب الإسلاميين لم يستخدموا السلاح الكيميائي، فلماذا لا تسمح حكومة كامل إدريس للبعثة بالدخول إلى البلاد لكي تخرج وتكتب شهادة البراءة لهم!!
فعدم قبولها يجعل السؤال قائمًا: ما الذي تخشاه الحكومةكما أن كل المقابلات التي أجراها كامل إدريس مع المفوض السامي لحقوق الإنسان والمفوض السامي لشؤون اللاجئين ومدير عام منظمة الهجرة الدولية ومدير عام منظمة الصحة العالمية، جلّها مقابلات من صميم عمل مندوب السودان الدائم بالأمم المتحدة، الذي خفت صوته هذه الأيام لأنه يعلم أن المجتمع الدولي تخطى محطات الاستماع، وأن تقديم الأدلة لبراءة طرف من طرفي الصراع أشبه بمحاولة عبثية و”عدم شغلة”.
ومنصب إدريس كرئيس وزراء، وباعتباره شخصية عملت في الأمم المتحدة، كان يجب أن يمنحه ذلك خبرة في كيفية استيعاب وفهم الوصفات الدولية وآليات التوافق بين القوى الكبرى.
والعاملون في مجال حقوق الإنسان لا شك أنهم كانوا يتوقعون أن يكون الرجل أكثر إدراكًا بأن الحلول الدولية لا تُبنى على المبادرات الفردية، بل على توافقات معقدة بين الدول المؤثرة.
وهذا يحتاج إلى قراءة المشهد الدولي بدقة، وأن يدرك أن القوى الكبرى لن تتخلى عن أدواتها المهيمنة (الرباعية) لصالح مبادرة محلية مهما بدت متماسكة، لاسيما أن الحل الدولي وصل مرحلة يصعب التراجع عنها، فالرئيس الأميركي دونالد ترمب أكد أن مسار التنسيق بشأن ملف السلام في السودان قد قطع شوطًا متقدمًا.وهو ما يثير تساؤلات إضافية حول مستوى الإحاطة والمتابعة لدى رئيس مجلس الوزراء، ومدى اتساق ما يطرحه في لقاءاته وتصريحاته مع ما يجري فعليًا على مستوى تفاهم البرهان مع الأطراف الدولية. وهل يفوت على كامل إدريس أن النزاع في هذه الحرب لم يعد نزاعًا داخليًا فقط، بل له امتدادات إقليمية ودولية، ما يجعل الحلول المحلية وحدها غير كافية!!
وأن الرباعية الدولية التي تتبنى الحل ليست مجرد اقتراح، بل إطار سياسي مدعوم من واشنطن ولندن والرياض وأبوظبي، أي أنها تمثل توازنات دولية لا يمكن تجاوزها.
فإن كان يعلم كامل إدريس كل هذا وسافر، فلا شك أن زيارته كانت لأسرته، و(بالمرة زار المفوض في مكتبه). وهنا لا صوت لوم ولا عتاب. ولكن لو سافر إدريس وهو يعتقد مليًا أنه يدفع بمبادرته ويضعها بديلًا للحل الدولي الذي تتبناه الرباعية كما جاء في الخبر، فهو بلا شك يؤكد أن لا علاقة له لا بعمل رئاسة الوزراء كسياسي ومسؤول حكومي، ولا بالعمل الدولي كدبلوماسي. وأن هذه الزيارة ستكون خصمًا على حكومة البرهان لأنها ستُقرأ كابتعاد عن الحل، وتُضعف موقفها لأنها ستظهرها وكأنها خارج التوافق الدولي باعتبارها خطوة عشوائية غير محسوبة سياسيًا!!
طيف أخير:
الاشتباكات بين المقاومة الشعبية والقوات المشتركة بولاية الجزيرة، الصراع المدفون الذي بدأ يخرج رأسه إلى السطح، ويستمر الإنكار، وأن من يتحدث عن هذه ابخلافات يريد الفتنة، والبرهان غدًا سيتحدث عن أنها من رحم القوات المسلحة، إلى أن يقع الفأس على الرأس. عندها لن نسميها تمردًا ولن نصفهم بالمرتزقة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.