الفعل المدني… الطريق الأقصر لإرباك الجنرال العاري

علاء محمد عبدالرحيم

في اللحظات التي تفقد فيها السلطة ثقتها في شرعيتها، لا تجد ما تتكئ عليه سوى اللغة الخشنة غير المنضبطة. هكذا يمكن قراءة تصريح الجنرال عبد الفتاح البرهان الأخير، لا كحدث عابر، بل كعرضٍ سياسي مكثف لحالة نظامٍ لم يعد يملك سوى التهديد كأداة خطاب. حين يقول الرجل إن عبد الله حمدوك ومجموعته “لن تطأ أرجلهم أرض السودان”، فهو لا يخاطب خصوماً سياسيين، بل يكشف تصوراً خطيراً للدولة نفسها؛ دولة تُدار كأنها ملكية خاصة، والوطن فيها يتحول إلى بوابة، يقف عليها جنرال يقرر من يدخل ومن يُمنع.
المشكلة هنا ليست في حمدوك ورفاقه، ولا في تقييم تجربته، ولا في الموقف من تياره السياسي. السياسة بطبيعتها ساحة صراع، نقد، محاسبة، وربما إسقاط انتخابي. المشكلة أن رأس السلطة العسكرية يعيد تعريف المواطنة نفسها باعتبارها امتيازاً تمنحه السلطة لا حقاً أصيلاً يولد مع الإنسان. هذه هي اللحظة التي تنتقل فيها الدولة من كونها إطاراً جامعاً للجميع إلى كونها جهاز فرز سياسي وأمني، يوزع صكوك الوطنية على أساس الولاء.
ما قاله البرهان في الكلاكلة ليس خطاب طمأنة كما يحاول أن يبدو، بل خطاب تعبئة قائم على خلطٍ متعمد بين الدولة والسلطة، وبين الشعب والمؤسسة العسكرية، وبين الوطن والولاء الشخصي. حين يعلن أن الشعب هو الجيش، فهو لا يمجّد القوات المسلحة بقدر ما يصادر حق الشعب في أن يكون شيئاً مستقلاً عنها، ناقداً لها، ومحاسِباً لها. هذه أخطر صيغة سياسية يمكن أن تُقال في لحظة حرب؛ تحويل مؤسسة وطنية إلى مرادف كامل للوطن نفسه، بحيث يصبح أي اعتراض خيانة، وأي نقد عمالة، وأي اختلاف مؤامرة خارجية. بهذه اللغة لا تُبنى لحمة وطنية، بل تُبنى دولة خوف. أما الحديث عن “عودة طوعية” في ظل خطاب تهديدي يمنع خصوماً سياسيين من دخول البلاد، فهو تناقض صارخ؛ لا يمكن أن تدعو الناس للعودة بينما تعلن أن الوطن له بوابة سياسية تُفتح لفريق وتُغلق في وجه آخر. هذا ليس استقراراً، بل تعريف جديد للانقسام.
ثم إن الادعاء بأن من في الخارج “منبوذون” لأنهم يتجولون في العواصم، يتجاهل حقيقة أن ملايين السودانيين بما فيهم مجموعات الكيزان المختلفة والتي تشكل الدعم الحقيقي بل وأصحاب المشروع الذي يقف على تنفيذه ذات الجنرال العاري، لا يزالوا مقيمين في دول مثل تركيا وقطر. لا أحد يتسول بقضايا الشعب أكثر من سلطة تتحدث باسم تضحياته بينما تعجز عن حمايته من النزوح والجوع والدمار. أما نفي الاتهامات حول السلاح الكيميائي بلغة الوعيد والانتقام، فليس دفاعاً قانونياً ولا سياسياً، بل استبدال للحجة بالقوة؛ والدول الواثقة من مؤسساتها ترد بالتحقيق والشفافية، لا بالتخوين المسبق. المشكلة في هذا الخطاب كله أنه لا يرى السودان كفضاء متعدد الأصوات، بل كجبهة واحدة يقف فيها الجميع خلف قائد واحد، وهذه ليست وحدة وطنية… هذه صيغة احتكار للوطن. والسودان، بتاريخه وتركيبته وتعقيده، أكبر من أن يُختصر في معادلة: معنا أو ضدنا.
أي سلطة هذه التي تتهم الآخرين “بالتسول بقضايا الشعب” بينما الشعب نفسه يعيش أكبر مأساة إنسانية في تاريخه الحديث؟ ملايين بين نازح ولاجئ، اقتصاد منهار، مدن مدمرة، ونسيج اجتماعي يتمزق أمام العالم. اللغة التي تليق بهذا المشهد ليست لغة التشفي، بل لغة الاعتراف بالفشل. لكن الأنظمة التي تقوم على القوة لا تعترف، لأنها لو اعترفت لسقطت صورتها التي تعيش عليها.
المفارقة القاسية أن من يحتكر تعريف الوطنية هو نفسه من اختزل الدولة في المؤسسة العسكرية. الدولة الحديثة لا تُبنى على الإقصاء، بل على التعاقد. لا تقوم على المنع، بل على الاعتراف بالتعدد. حين يصبح المنع من دخول الوطن أداة سياسية، نكون قد دخلنا رسمياً مرحلة الدولة الأمنية الصافية؛ دولة تخاف من مواطنيها أكثر مما تخاف عليهم. ليس من حق أي حاكم مدنياً كان أو عسكرياً أن يقرر من يملك السودان ومن يُنفى منه. السودان أكبر من جنرال، وأقدم من مجلس سيادة، وأعمق من أي سلطة عابرة. التاريخ السوداني مليء بحكام ظنوا أنهم الدولة نفسها، ثم اكتشفوا متأخرين أن الدولة هي ما يبقى بعدهم، لا ما يختصرونه في خطاباتهم.
التصريحات من هذا النوع ليست علامة قوة. هي علامة قلق. السلطة الواثقة لا تحتاج إلى تهديد خصومها بالمنع، لأنها تعلم أن شرعيتها تُحسم في المجال العام لا عند بوابات المطارات. أما حين تصبح اللغة العسكرية بديلاً عن اللغة السياسية، فذلك إعلان غير مباشر عن إفلاس الخيال السياسي لجنرال لم تزده الايام الا طيشاً وحماقة.
السودان اليوم لا يحتاج إلى حراس بوابات، بل إلى بناة دولة. لا يحتاج إلى خطاب استبعاد، بل إلى مشروع استيعاب. لأن الوطن الذي يُدار بمنطق “من معنا ومن ضدنا” يتحول تدريجياً إلى أرضٍ ضيقة، مهما اتسعت جغرافيته.
والتاريخ هذه المرة أيضاً لن يذكر من منع من الدخول، بل من منع الوطن نفسه من أن يكون وطناً للجميع. في النهاية، ليست القضية تصريحاً عابراً، ولا زلة لسان يمكن تجاوزها، بل لحظة كاشفة لذهنية كاملة ترى الوطن غنيمة، وترى الشعب تابعاً، وترى السياسة ساحة طردٍ لا ساحة اختلاف. وهذه أخطر لحظة يمكن أن تمر بها أي دولة؛ حين تتحول السلطة من إدارةٍ مؤقتة للشأن العام إلى مالكٍ متوهم للأرض والناس.
السودان لم يولد في ثكنة، ولن يُدار إلى الأبد بعقل الثكنة. هذه البلاد قامت عبر تاريخها الطويل على فكرة أعمق من كل الجنرالات؛ أن الشعب أكبر من حكامه، وأن الأرض لا تحمل اسماً واحداً مهما ارتفع صاحبه، ثم سقط. كل من ظن أنه يستطيع أن يختصر السودان في صوته انتهى صوته وبقي السودان. هذه ليست شاعريّة… هذه قاعدة تاريخ. السلطة التي تهدد بالنفي السياسي تبدأ دائماً بنفي الخصوم، وتنتهي بنفي نفسها من وجدان الناس. لأن الوطن، في النهاية، ليس حدوداً على الخريطة، بل علاقة ثقة بين الدولة ومواطنيها. وحين تُكسر هذه العلاقة، لا ينفع بعدها خطاب وطني، ولا استعراض عسكري، ولا بيانات غاضبة. الدولة التي تخاف من عودة معارضيها هي دولة تعرف في أعماقها أنها مؤقتة.
السودانيون لن يتذكروا من صرخ أعلى، بل من حافظ على فكرة الوطن حين كانت تُهان. ولن يسأل التاريخ؛ من منع من الدخول؟ بل سيسأل؛ من منع البلاد من الانهيار؟ ومن وسّعها للجميع؟ ومن ضيّقها حتى اختنقت؟
فكل خطاب يقوم على الإقصاء يحمل بذور سقوطه داخله. لأن الوطن الذي يُدار بالمنع يتحول إلى سجن كبير، والسجون لا تصنع دولاً… تصنع انفجارات مؤجلة.
السودان لن يُبنى على الخوف. ولن يُحكم بالوعيد. ولن يستقر بمنطق الحارس الذي يقف على الباب. الدول العظيمة لا تحتاج حراس بوابات… تحتاج ثقة شعب.
وكل سلطة تنسى هذه الحقيقة، تكتب نهايتها بيدها، ولو بعد حين.
الخلاصة التي يجب أن تفهمها القوى المدنية جيداً أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط معركة سلطة، بل معركة إيقاع. من يفرض إيقاع الفعل يفرض شكل المستقبل. الجنرال لا يخاف الشتائم، ولا يخاف المقالات الغاضبة، ولا يخاف بيانات الشجب. الذي يخيفه حقاً هو أن يعلو الصوت المدني منظماً، مستمراً، مبادِراً، لا يعيش على رد الفعل بل يصنع الفعل نفسه. السلطة العسكرية بطبيعتها تتغذى على خصوم مرتبكين، متأخرين خطوة، يلهثون خلف الحدث. أما حين تجد أمامها قوى مدنية تسبقها، تبادر، تطرح مشروعاً، تفتح أفقاً، تتحرك بثقة من يعرف أن الزمن يعمل لصالحه عندها تفقد توازنها.
كلما تقدم المدنيون خطوة إلى الأمام، عاد الخطاب العسكري خطوة إلى الخلف، مرتبكاً، غاضباً، منفلت اللغة. وهذا ليس صدفة. الأنظمة التي تعيش على الخوف لا تعرف كيف تواجه مشروعاً مدنياً واضحاً؛ تعرف فقط كيف تواجه فراغاً. لذلك فإن أخطر ما يمكن أن تفعله القوى المدنية بنفسها هو أن تنكفئ إلى مربع ردود الأفعال. رد الفعل ملعب السلطة. أما الفعل فهو ملعب التغيير.
كونوا دائماً في موقع المبادر؛ في الفكرة، في التنظيم، في الخطاب، في الشارع، في النقاش العام، في بناء البدائل. لا تنتظروا تصريحاً لتردوا عليه؛ اصنعوا واقعاً يجبر التصريحات على اللحاق بكم. لأن الذي يخشاه الجنرال أكثر من أي شيء هو أن يرى المجتمع يتحرك بدونه، أن يسمع صوتاً مدنياً أعلى من صوته، أن يكتشف أن الزمن لم يعد ملكاً للثكنة. حينها فقط يتكلم الخطاب العسكري كما لو أنه خرج من فوضى داخلية، يقذف بما تبقى في جوفه من بقايا مشروع لفظه الشعب منذ ثورة ديسمبر. لا لأن المدنيين صرخوا أكثر، بل لأنهم تحركوا أكثر. التاريخ لا يتغير بالضجيج، بل بمن يصنع الوقائع.
والقوى المدنية إن أرادت أن تنتصر، فعليها أن تفهم هذه القاعدة البسيطة والعميقة؛ لا تكونوا ظل السلطة… كونوا شمس المشهد. لا تركنوا إلى رد الفعل… اصنعوا الفعل حتى يصبح الآخر أسير ردوده.
عندها فقط يتبدل ميزان القوة، ليس في القصر ولا في الثكنة، بل في وعي الناس. وهناك دائماً تُحسم المعارك الكبرى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.