عرقلة إخوانية لخطة الرباعية… كيف يمنع نفوذ “الحركة الإسلامية” وقف الحرب في السودان؟

محمد سبتي*

في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق السودان نحو الانهيار الشامل، خاصة بعد المآلات الخطيرة وسقوط مدينة الفاشر؛ تبرز “خطة الرباعية” الدولية كفرصة أخيرة محتملة لإنهاء الحرب. لكنّ هذه الجهود الدبلوماسية المكثفة تواجه عقبة كبرى تتمثل في النفوذ العميق لتنظيم “الإخوان المسلمين” (الحركة الإسلامية) على قرار قيادة الجيش السوداني، وإصرار التنظيم على استمرار القتال لضمان بقائه السياسي، حتى لو كان الثمن هو تفكك الدولة.

وتعود جذور الأزمة الحالية إلى التغلغل التاريخي لـ “الجبهة الإسلامية”، الواجهة السياسية لتنظيم الإخوان في السودان، في مفاصل الجيش والمؤسسات الأمنية منذ انقلاب حزيران (يونيو) 1989. ورغم الثورة الشعبية في نيسان (أبريل) 2019 التي أطاحت بنظام البشير، يجمع مراقبون على أنّ قيادات الجيش الحالية لم تتمكن من الانفكاك الكامل عن هيمنة التنظيم.

ويرى محللون، نقلت عنهم (سكاي نيوز)، أنّ الحرب الدائرة منذ نيسان (أبريل) 2023، التي خلفت أكثر من ((150 ألف قتيل و(25) مليون جائع، هي محاولة إخوانية للعودة إلى السلطة، بعد فشل انقلاب 25 تشرين الأول (أكتوبر) في قمع القوى المدنية، مستغلين الانهيار الأمني والإنساني الشامل.

في 12 أيلول (سبتمبر) الماضي أعلنت المجموعة الرباعية (مصر، والإمارات، والسعودية، والولايات المتحدة) عن خطة لإنهاء الصراع. وتنصّ الخطة على هدنة إنسانية لمدة (3) أشهر، تليها عملية انتقال سياسي شامل خلال (9) أشهر، مع استبعاد أيّ دور مستقبلي لقادة أطراف القتال وتنظيم الإخوان، الذي وصفت واشنطن مشاركته بـ “الخط الأحمر”.

وقد حظيت الخطة بزخم دولي وإقليمي واسع، شملت تأييد الاتحاد الأوروبي، والجامعة العربية، والاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، بالإضافة إلى ترحيب تحالف القوى المدنية السودانية “صمود”.

في المقابل، كشفت مصادر مطلعة عن اجتماع عاجل لكافة أجهزة “الحركة الإسلامية” (السياسية والعسكرية والأمنية) بقيادة علي كرتي، عُقد قبل (48) ساعة فقط من السقوط الوشيك للفاشر.

ووفق ما نقلت صحيفة (التغيير)، فقد خلص الاجتماع السرّي إلى أنّ “الخطر الرئيسي” ليس عسكرياً فحسب، بل يتمثل في دعوة الرباعية لـ “استبعاد الإسلاميين وفك الارتباط بينهم وبين الجيش”، وأنّ قيادة الجيش “قد تستجيب لهذه الدعوة تحت الضغط”.

ولإجهاض هذا المسار قرر الاجتماع الدفع نحو “التعبئة العامة”، وإقناع قيادة الجيش بإعلانها، باعتبارها الطريق الوحيد لـ “إخراس كلّ صوت ينادي بوقف الحرب”، وضمان تحقيق “الحركة الإسلامية” لأهدافها.

وتُظهر وثيقة اجتماع كرتي أنّ “التعبئة العامة” هي خطة لـ “عزل العناصر المتواطئة مع الخارج داخل الجيش”، وإعادة فرض الأجندة التي يقودها الإسلاميون.

وبالفعل، تبنت السلطة القائمة في بورتسودان الموقف الإخواني، فقد هاجمت قيادات مثل أحمد هارون وعلي كرتي المقترح. وكرر قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، الأسبوع الماضي، رفضه للخطة، قائلاً: “لن نقبل بأيّ تدخلات دولية أو إقليمية”.

ويؤكد محللون، مثل فائز السليك، المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، أنّ “غياب الإرادة المستقلة” لقيادة الجيش هو العائق الأكبر أمام السلام.

وقال السليك في تصريح لـ (العين الإخبارية): إنّ التنظيم الإخواني، الذي أشعل الحرب، لن يقبل بأيّ وقف لها لا يعيد الأوضاع إلى ما قبل ثورة 2019، مشيراً إلى أنّ “تيار الإخوان المتمدد داخل مفاصل هيئة الأركان والاستخبارات” أقوى من أيّ تيار آخر داخل الجيش.

وهذا النمط من العرقلة ليس جديداً؛ فقد اتهمت الخارجية الأمريكية “الإخوان” سابقاً بتقويض الحكومة الانتقالية. كما أنّ التنظيم هو المسؤول عن إفشال مبادرات سابقة في “جدة” و”المنامة” و”جنيف”.

وتجلّى ذلك بوضوح عند تراجع الجيش عن “اتفاق المنامة” في كانون الثاني (يناير) 2024، بضغط إخواني مباشر، لأنّ الاتفاق نصّ صراحة على تفكيك نظام الإخوان والقبض على قياداتهم الهاربين.

ويقف السودان أمام ما وصفه الباحث السياسي هشام هباني في تصريح صحفي لـ (سكاي نيوز) بـ “خطر الزوال، لا مجرد خطر الانقسام أو الفشل”، في ظل انهيار مؤسسات الدولة. وبينما يجمع العالم على أنّ “المتشددين الإسلاميين” هم من يعرقلون الحلول، تصرّ “الحركة الإسلامية” على خطة “التعبئة العامة”.

ويرى مراقبون أنّ هذا التوجه هو “صبٌّ لمزيد من الزيت على نار الحرب”، حتى لو كان الثمن هو تدمير النسيج الاجتماعي وزوال الدولة السودانية نفسها.

* كاتب اردني

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.