شبكات التمكين لازالت تعمل في السودان

مها الهادي طبيق

صنعوا شبكات التمكين لتمتص موارد الدولة حتى افلسوها . اختطفوا الدولة السودانية عبر شبكات تشبه العصابات الدولية المنظمة عبر مؤسسات محروسة بكادر عقيدته الولاء للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وللتنظيم ، بنوا تلك الشبكات الموازية داخل الدولة وتدريجيا إبتلعت الدولة بما فيها . هذا هو جوهر الأزمة السودانية ، واستمرت هذه الجماعة بتلك الشبكات حتى بعد سقوط رأس النظام ، وتكيّفت مع كل مرحلة انتقالية . لذلك ، فإن أي معالجة تركز على الأشخاص وتتجاهل البنية ، تعيد إنتاج الأزمة بدل حلّها ، لأنها أزمة دولة اختُطفت عبر جماعات إجرامية التي أعادت تعريف المؤسسات كأدوات ولاء.
تحديد الخلل البنيوي يتمحور حول اختطاف المؤسسات (Institutional Capture)
حيث تحوّلت الخدمة المدنية إلى منظومة تعيينات قائمة على الولاء ، وغابت معايير الجدارة لصالح الانتماء ، فالأجهزة النظامية تحررت من خضوعها لرقابة مدنية فعّالة ، وأصبحت جزءًا من معادلة القوة السياسية . فكانت النتيجة دولة شكلية بقواعد غير مرئية . أُعيد تشكيل الاقتصاد الريعي ليخدم الشبكات بعد أن تعطل الانتاج . شركات واجهة ، واحتكارات ، وامتيازات غير تنافسية ، وتشابك مصالح بين دوائر سياسية وأمنية . الدولة هنا لا تنتج الثروة ولكنها تسرقها لصالح اصحاب الولاء.
كانت اولويتهم تغييب الشفافية والمساءلة وتضعييف منظومة الإفصاح المالي ، وكتم العقود العامة ، مع انعدام آليات فعالة لتتبع المال العام لغياب الشفافية التي تحفظ الحق العام . قويت تلك الشبكات بسبب تفريغها المجال العام بإضعاف النقابات و تسييس الإعلام ، وتقييد المجتمع المدني . فنمت كالسوس ينخر في عظام موارد الوطن حين أضعفت المجتمع عمدا وقهرا.
تتجدد الأزمة بفعل الفراغ البرامجي للقوى المدنية لان خطابهم كان أخلاقيا بلا خطة تنفيذية ، ودون أن يعملوا حساب للتفوق التنظيمي للشبكات القديمة وهي شبكات تمويل وخبرة وقدرة على إعادة التموضع تحت كل الظروف . من الجانب الآخر هناك الاقتصاد العسكري غير الخاضع للموازنة الذي بدأ ينموا بتواطؤ تلك الشبكات بضعف الإطار القانوني لمكافحة تضارب المصالح . الأزمة إذن ليست في سقوط نظام ولا بتبديل الأشخاص ، وإنما تكمن في بقاء “نظام تشغيل” غير مرئي يعمل دون توقف.
لفتح نوافذ الخروج ، لابد من برنامج عملي يقوم على إعادة تأسيس الحوكمة وبسن قانون صارم لتضارب المصالح وإقرار دوري للذمم المالية . نشر 100% من العقود الحكومية عبر منصات مفتوحة مع إخضاع الشركات العامة والعسكرية لمراجعة مستقلة ونشر تقاريرها . ولتحييد الاقتصاد الموازي يجب دمج الشركات التابعة للأجهزة الأمنية في الموازنة العامة ، ومنع الاحتكار واعتماد المشتريات عبر منافسة مرئية وإنشاء وحدة مستقلة لتتبع الأموال واسترداد الأصول . ولإصلاح الخدمة المدنية لا بد من إنشاء مفوضية تعيين مستقلة على أساس الجدارة والكفاءة مع حماية قانونية للمبلغين عن الفساد وإعادة هيكلة سلم الرواتب لمنع شراء الولاءات . ولاستعادة المجال العام لا بد من استقلال الإعلام العام وإعادة بناء النقابات المهنية عبر انتخابات حرة وشفافة مع إدماج التعليم النقدي وحقوق المواطنة في المناهج الدراسية . ولإعادة تعريف العلاقة المدنية–العسكرية لا بد من فصل النشاط التجاري عن المؤسسة العسكرية تدريجيًا مع رقابة برلمانية على ميزانيات الأمن والدفاع وتحديد واضح لدور الجيش في حماية الحدود لا إدارة الاقتصاد.
تفكيك شبكات التمكين هو شرط لبقاء الدولة ، لأن الشعارات لا تُبنى دولة قوية ، ولكن تبنى بقواعد مؤسسية تجعل الفساد مكلفًا والشفافية إلزامًا والاقتصاد منتجًا لا ريعيًا . لذلك الخروج من الأزمة يتطلب تحويل الإصلاح من خطاب إلى جدول زمني ، ومن وعد أخلاقي إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس .
حينها عندما تكون القواعد المؤسسية أقوى من الشبكات ، تبدأ الدولة في التعافي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.