إعلام «رد الفعل»… مقامرة خاسرة في حرب الروايات

عمود: عين الحقيقة

في كواليس الصراعات الكبرى، تُخاض حرب موازية لا تقل ضراوة عن مواجهات الميدان؛ إنها «حرب السرديات».. وفي هذه الحرب يبرز خطأ استراتيجي قاتل يقع فيه إعلام مؤسسات «تأسيس» وكثير من الإعلاميين والناشطين الداعمين لها، وهو الاكتفاء بموقع «المدافع» أو «المُكذب»، بينما تفرض الأطراف الأخرى أجندتها وتوقيتها.

المشكلة الأساسية في إعلام «رد الفعل» أنه يمنح الخصم حق تحديد موضوع النقاش.. فعندما تقضي المنصات الإعلامية معظم وقتها في نفي تهمة أو تفنيد إشاعة أطلقها إعلام الحركة الإسلامية أو الغرف الإلكترونية التابعة للجيش، فإنها، من حيث لا تدري، تساهم في تثبيت تلك التهمة داخل الوعي الجمعي.

الإعلام الذكي لا ينتظر التهمة ليدفعها، بل يطرح رؤيته الخاصة التي تجعل اتهامات الخصم ضجيجاً بلا معنى. فالاستغراق في الدفاع يمثل هزيمة نفسية مبكرة، توحي للمتلقي بأن الطرف المدافع في موقع ضعف واهتزاز.

الإعلام في أزمنة الصراع ليس مرآة تعكس ما يفعله الآخرون، بل هو قاطرة تقود الرأي العام نحو وجهة محددة.. التموضع الاستباقي يتطلب من إعلام تحالف «تأسيس» الانتقال إلى مربع الهجوم الفكري والسياسي، عبر صناعة الحدث بدلاً من الاكتفاء بالرد عليه.

فبدلاً من الرد المستمر على اتهامات الانتهاكات، ينبغي فرض سردية «المحاسبة والشفافية» كنهج أصيل، والحديث عن خطوات عملية لمؤسسات مدنية أو عسكرية قادمة، بما يجبر الخصم على التعليق على مشروعكم، لا العكس.

ليس كل ما يُقال يستحق الرد. تجاهل «الترندات» المصنوعة في غرف الخصم، وابتكار موجات إعلامية تعبر عن رؤية التحالف للمستقبل، كفيل بإرباك الطرف الآخر ووضعه في موقع الدفاع. الجمهور يميل بطبعه إلى الرواية الأكثر تماسكاً وثقة. فالخطاب الذي يبدأ بـ«نحن لم نفعل» خطاب مهزوم، أما الخطاب الذي يبدأ بـ«نحن نبني» أو «نخطط» أو «نحمي»، فهو خطاب الدولة والقيادة.

كما أن الانتظار حتى تكتمل الصفقات السياسية للحديث عنها إعلامياً يشبه الانتحار السياسي. فالتموضع الاستباقي يقتضي شرح المسار قبل السير فيه، وتهيئة الشارع لرؤى السلام، بدلاً من ترك الساحة لإعلام دعاة الحرب لتشويه تحركات التحالف.

الإعلام الذي يعيش على فتات اتهامات الخصم هو إعلام بلا روح. المطلوب اليوم تحويل المنصات الإعلامية من غرف عمليات دفاعية إلى مراكز تفكير استراتيجي، تصدر الرواية الأولى وتضع النقاط على الحروف قبل أن يضعها غيرها.

تذكروا دائماً: من يكتب السطر الأول في القصة، يملك غالباً حق كتابة خاتمتها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.