هندسة الانقسام: كيف حولت الحركة الإسلامية السودانية القبيلة إلى أداة حرب في دارفور وكردفان؟

تقرير: عين الحقيقة

على امتداد ثلاثة عقود منصرمة من الحكم، لم تكتفِ الحركة الإسلامية السودانية ببناء نفوذها داخل مؤسسات الدولة والجيش السوداني والاقتصاد فحسب، بل اتجهت إلى إعادة هندسة البنية الاجتماعية نفسها، خصوصاً في أقاليم الهامش. ففي دارفور وكردفان، برزت واحدة من أخطر أدواتها السياسية: توظيف القبائل في صراعات مسلحة، وإعادة إنتاج الولاءات بما يخدم بقاء السلطة، ولو كان الثمن تمزيق النسيج الاجتماعي وإشعال حروب طويلة الأمد.
بحسب شهادات مسؤولين سابقين وناشطين، لـ«عين الحقيقة» أنشأت الحركة الإسلامية داخل أجهزة الدولة ما عُرف بـ«شعبة القبائل»، وهي وحدة عملت تحت مظلة جهاز الأمن والمخابرات الوطني.. لم تكن مهمتها جمع المعلومات فحسب، بل إدارة التوازنات القبلية، وصناعة التحالفات، وتغذية الخصومات عند الحاجة.
قامت فلسفتها على مبدأ «فرّق تسد»: دعم قبيلة في مواجهة أخرى، تسليح مجموعات محلية تحت لافتات الدفاع الشعبي أو حرس الحدود، وتوجيه الصراع بعيداً عن المركز السياسي في الخرطوم.. وبهذا تحولت النزاعات حول الأرض أو الموارد أو المسارات الرعوية إلى حروب ذات طابع عسكري واسع، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع أجندة السلطة.
قبل انقلاب 1989، ظلت الإدارة الأهلية في دارفور وكردفان تمثل آلية تقليدية لاحتواء النزاعات وحلها عبر الأعراف المحلية. لكن مع صعود الإسلاميين إلى الحكم عبر حزب المؤتمر الوطني، بدأ تفكيك هذا النظام تدريجياً، واستبداله بشبكات ولاء مرتبطة بالحزب الحاكم.
جرى تعيين نُظّار وعُمد موالين، وتهميش قيادات تقليدية اعتُبرت غير منسجمة مع مشروع السلطة.
ومع إندلاع تمرد الحركات المسلحة في دارفور عام 2003، انتقلت السياسة من الاحتواء إلى التسليح المنظم، حيث جرى تجنيد مجموعات قبلية وتسليحها لمواجهة الحركات المسلحة، ما أسّس لمرحلة جديدة من عسكرة المجتمع، لم يعد فيها السلاح حكراً على الدولة، بل جزءاً من موازين القوى المحلية.
في دارفور، تداخلت الصراعات القبلية مع المواجهة بين الحكومة والحركات المسلحة. وبدلاً من معالجة جذور الأزمة المرتبطة بالتهميش السياسي والاقتصادي، اختارت السلطة الاستثمار في الانقسامات الاجتماعية.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن بعض المليشيات التي نشأت في تلك المرحلة تلقت دعماً لوجستياً وتسليحياً مباشراً مقابل القتال إلى جانب القوات الحكومية. ومع مرور الوقت، خرجت هذه المجموعات عن السيطرة في كثير من الأحيان، لتنشأ صراعات جديدة بينها، في حلقة عنف متجددة. لم تقتصر النتائج على الخسائر البشرية والنزوح الواسع، بل امتدت إلى إحداث شرخ عميق في العلاقات بين المكونات الاجتماعية، ما تزال تداعياته قائمة.
أما في كردفان، خصوصاً جنوب الإقليم، فقد اتخذت السياسة مساراً مشابهاً في سياق الحرب مع الحركة الشعبية لتحرير السودان- قطاع الشمال.
جرى استقطاب مكونات قبلية وتوظيفها ضمن معادلات الصراع، وتحولت مناطق التماس إلى بؤر استقطاب حاد.. لم يكن الهدف تحقيق مكاسب عسكرية فحسب، بل إعادة تشكيل الخارطة السياسية المحلية بما يضمن ولاءات محددة.
ومع الوقت، أصبحت النزاعات حول المسارات أو الأراضي الزراعية متداخلة مع صراعات المركز، ما أضعف البنى التقليدية التي كانت تضبط الخلافات.
ويرى محللون أن توظيف القبائل لم يكن منفصلاً عن المصالح الاقتصادية. ففي مناطق الذهب والمراعي وطرق التجارة، لعبت الانتماءات القبلية دوراً في تحديد السيطرة على الموارد. وأتاح ذلك للنخب المرتبطة بالحركة الإسلامية بناء شبكات مصالح تجمع بين الأمن والتجارة والإدارة المحلية. وهكذا أصبح الصراع جزءاً من اقتصاد حرب، تتشابك فيه السياسة بالمصالح المالية، بينما يتحمل المواطن العادي كلفة النزوح وتدهور سبل العيش.
بعد سقوط النظام في 2019، لم تختفِ آثار هذه السياسات. فما يزال السلاح منتشراً، والخصومات التي غذّتها أجهزة الدولة لم تُعالج جذرياً. بل إن بعض النزاعات اللاحقة يمكن فهمها في سياق هذا الإرث الثقيل من التفكيك الاجتماعي.
إلى ذلك، يؤكد خبراء لـ«عين الحقيقة» أن أي معالجة جادة تتطلب مشروع مصالحة مجتمعية حقيقية، يعترف بالدور الذي لعبته الدولة في إذكاء الانقسامات، ويعيد الاعتبار لمؤسسات العدالة المحلية، ويعمل على ضبط انتشار السلاح.
يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن تفكيك بنية الصراع التي تراكمت عبر عقود؟ الإجابة ترتبط بمدى استعداد القوى السياسية للاعتراف بأن توظيف القبيلة في الصراع كان خياراً سياسياً واعياً، لا مجرد نتيجة عرضية للحرب.
إن إعادة بناء السودان بعد حرب 15 أبريل، خاصة في دارفور وكردفان، تمر عبر استعادة الثقة بين المجتمعات المحلية، وإخراج القبيلة من معادلة الصراع السياسي، وتحويلها من أداة تعبئة إلى إطار اجتماعي وثقافي طبيعي.
لقد أثبتت تجربة الحركة الإسلامية «الإخوان» أن الاستثمار في الانقسامات الاجتماعية قد يحقق مكاسب آنية، لكنه يخلف جروحاً عميقة في جسد الوطن.
وبينما تتبدل التحالفات وتتغير الحكومات، يظل التحدي الأكبر هو بناء دولة مواطنة تتجاوز سياسات «شعبة القبائل»، وتضع حداً لدائرة توظيف الهوية في الصراع على السلطة.
عين الحقيقة تفتح هذا الملف في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد، حيث تتقاطع أسئلة الماضي مع رهانات المستقبل: هل يتعلّم السودانيون من تجربتهم مع الإسلاميين، أم يعيدون إنتاجها بصيغ جديدة بعد نهاية حرب 15 أبريل؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.