إهانة!!

أطياف - صباح محمد الحسن

طيف أول:
لكل حلمٍ استيقظ بفرقعة الأصابع المتشبثة بحبال الوهم
دون أن يصرخ في وجهها،
ولكل رهانٍ لم ينم قبل الجميع!!
والحكومة السودانية بالأمس عبّرت عن انزعاجها البالغ من زيارة قائد الدعم السريع، وخاطبت في بيان الخارجية أوغندا بلهجة شديدة، وتحاول الحكومة نزع الشرعية الدولية عن حميدتي وتسعى لتقويض أي اعتراف خارجي به، خاصة بعد ظهوره في لقاءات إقليمية مثل استقباله في أوغندا كقائد رسمي.
ولا شك أن الحكومة المطالِبة بعزله تحاول إغلاق الباب أمام أي تصور بأنه طرف شرعي في التسوية القادمة، سيما أن ظهوره كان مباغتًا لها؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه عن نهاية الحرب وتفتت المليشيا، ظهر دقلو ليربك الحسابات السياسية والعسكرية.
وكان لظهوره في كمبالا ردّة فعل واضحة على الأرض، حيث شهد ميدان الحرب تصعيدًا خطيرًا عندما استهدفت المسيرات منطقة مستريحة، وتبادل الطرفان الاتهامات؛ فالجيش يتهم الدعم السريع باستهداف مستريحة بمسيراته، فيما نفت قوات الدعم السريع ذلك واتهمت طيران الفلول باستهدافها. الأمر الذي يضع المواطن هدفًا أساسيًا في حرب المسيرات، مما يؤكد للعالم أن لا خاسر في هذه الحرب سواه.
والخارجية السودانية “زعلانة” لاستقبال كمبالا لحميدتي، ووصف بيانها الخطوة بأنها “إهانة للإنسانية قبل أن تكون إهانة للشعب السوداني”، واعتبرتها استخفافًا بأرواح المدنيين الذين قُتلوا نتيجة أفعال قواته منذ اندلاع الحرب.
كما شددت الوزارة على أن استقبال حميدتي من قبل الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني يمثل خطوة غير مسبوقة تُظهر ازدراءً للقيم الإنسانية وتضفي شرعية على طرف مسؤول عن انتهاكات واسعة.
لكن كمبالا لم تُعر غضب الحكومة اهتمامًا، وجاء ردها “باردًا”، إذ كان الموقف الأوغندي مختلفًا تمامًا عن لهجة الإدانة السودانية؛ حيث أكدت كمبالا أن اللقاء بين حميدتي وموسيفيني يندرج ضمن جهود أوغندا لدعم السلام في السودان، وركزت التصريحات الأوغندية على أن الحوار مع جميع الأطراف ضروري لإنهاء الحرب، وأن أوغندا ترى نفسها وسيطًا إقليميًا يمكنه المساهمة في تقريب وجهات النظر.
ما يعني أن أوغندا حاولت أن تُظهر اللقاء باعتباره خطوة دبلوماسية في إطار “الانفتاح على جميع الأطراف”، في الوقت الذي تعتبر فيه الحكومة السودانية الخطوة إضفاء شرعية على شخصية متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة.
ولكن لماذا تطالب الخارجية السودانية كمبالا بمقاطعة حميدتي في الوقت الذي تعلم فيه أن أوغندا لم تُعلن منذ بداية الحرب موقفًا حادًا ضده، بل اتخذت خطًا محايدًا يقوم على الانفتاح على جميع الأطراف؟ فاستقبال موسيفيني لقيادات طرفي الحرب يعكس هذا النهج في التعامل كما أن لوم الدول على مواقفها فات اوانه لأن كل دولة إتخذت موقفها من الحرب ومن طرفيها وبات ذلك أمرا واضحا
وأوغندا تبرر اللقاء بأن الهدف منه هو دعم السلام، أي أنها ترى أن أي تجاوز لحميدتي غير واقعي لأنه طرف أساسي في المعادلة العسكرية، ولا يمكن تجاهله في أي تسوية.
واستخدام الخارجية السودانية في وصفها لزيارة حميدتي إلى كمبالا بأنها “إهانة للإنسانية قبل أن تكون إهانة للشعب السوداني”، هو أسلوب إدانة ليس لكمبالا فقط، بل تحذير مبطن لبقية الدول الإفريقية والعربية بألا تكرر الخطوة نفسها، وهو ما يعكس حالة قلق وتخوف لدى الحكومة السودانية من كسب حميدتي مزيدًا من النقاط السياسية. فهي ترى أن كل استقبال رسمي له في عاصمة إقليمية أو دولية يُضعف روايتها بأنه معزول، ويمنحه صورة “زعيم سياسي”. فإذا ظهر حميدتي كطرف مقبول دوليًا فهذا سيعزز موقعه التفاوضي.
والخارجية مازالت تعد تعدد المواقف بين دول ترى حميدتي طرفًا لا يمكن تجاهله وأخرى تدينه، لأن هذا يخلق بيئة دبلوماسية معقدة تُضعف قدرة بورتسودان على فرض رؤيتها. لذلك قد تحاول فلول النظام استخدام الأرض لإدانة الدعم السريع حتى تكسر شوكته السياسية وتقطع الطريق على الشرعية الخارجية
فحكومة بورتسودان في هذا التوقيت تحديدًا ستحاول قصف حكومة تأسيس بمسيرات الإدانة الإنسانية والأخلاقية لتُظهر أن حميدتي ليس قائدًا سياسيًا بل مسؤول عن جرائم آنية، وبالتالي أي دولة تستقبله تُتهم ضمنيًا بالتغطية على هذه الانتهاكات.
وفي الوقت ذاته تحاول السيطرة على العقلية السودانية حتى لا تمنحه مساحة للعودة إلى الحياة من جديد فهي تريده ميتًا سياسيًا حتى وإن أثبت أنه ليس “روبوتًا” و”خالي من الأسلاك”، لتؤكد للشعب أنها تواجه فقط “مجرمًا” وتعمل على فضح جرائمه، حتى لا يُنظر إلى لقاءاته الخارجية كنجاحات سياسية.
وتضغط على المجتمع الدولي عبر ربط حميدتي بالمسيرات وقتل المدنيين، لذلك قصدت الخارجية السودانية في بيانها أمس أن تجعل التعامل معه مكلفًا أخلاقيًا وسياسيًا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.