إعلام الكيزان وصحافة الكذب: حين فضح حميدتي أسطورة التضليل

حسن عبد الرضي

لم يكن الظهور الأخير لـمحمد حمدان دقلو (حميدتي) مجرد مقابلة عابرة أو حضور إعلامي تقليدي، بل كان بمثابة ضربة قاضية لواحدة من أطول وأقذر حملات التضليل التي مارستها ماكينة إعلام الكيزان وحلفاؤها من “اللايفاتية” وصحافة التطبيل والتحليل المأجور.
ضربة كشفت هشاشة الروايات الملفّقة، وعرّت خواء الخطاب الذي ظلّ يبيع الوهم للجمهور تحت لافتات الوطنية الزائفة والغيرة المصطنعة على مصير السودان.
ماكينة الكذب: إعلام يُتقن التضليل لا الحقيقة
على مدى سنين، عمل إعلام الكيزان بمنهجية واحدة: إعادة تدوير الشائعة، تضخيم الأكذوبة، وتسويق التحليل المفصّل على مقاس المموّل والهوى السياسي.
لا فرق بين “صحفي” يكتب بما يُملى عليه، و”لايفاتي” يتغذّى على الإثارة والسبق الكاذب، و”محلل سياسي” يتقن لغة الغموض ليخفي فراغ الموقف.
النتيجة واحدة: وعيٌ مُسمَّم، رأي عام مُضلَّل، وحقيقة تُدفن تحت ركام اللافتات الرنّانة.
الظهور الذي كسر السردية
جاء الظهور الأخير ليكسر النسخة الجاهزة التي صاغها إعلام التضليل: صورة مُختلَقة، ومشهد مُصمَّم، وسردية تُعيد إنتاج نفس الأكاذيب.
حين يتهاوى البناء الإعلامي عند أول اختبار علني، فهذا دليل على أنه بُني من ورق.
سقطت روايات “الاختفاء” و”الهروب” و”العزلة”، وسقط معها وهم القدرة على التحكّم في عقول الناس عبر الضجيج وحده.
مسؤولون بلا مسؤولية
المؤسف أن دائرة التضليل لم تتوقف عند الصحافة الرديئة ولا منصّات البث المباشر، بل امتدت إلى مسؤولين يتحدثون بلا محاسبة، ويطلقون مواقف بلا سند، ثم يختبئون خلف ضباب “التحليل السياسي”.
هؤلاء لا يقلّون خطورة عن صُنّاع الأكاذيب؛ لأنهم يضفون شرعية زائفة على خطاب ملوّث، ويمنحونه صفة “الرأي الخبير” وهو في الحقيقة رأيٌ مأجور.
من يدفع الثمن؟
الثمن يدفعه المواطن البسيط الذي يبحث عن خبر صادق في بحر من التلاعب.
يدفعه الوعي الجمعي حين يتآكل، وتدفعه الثقة العامة حين تنهار.
أخطر ما في صحافة الكذب أنها لا تكتفي بتضليل اللحظة، بل تدمّر قدرة المجتمع على التمييز لاحقًا بين الخبر والرواية، بين المعلومة والدعاية.
الخلاصة: الحقيقة لا تموت
الضجيج قد يعلو، واللايفات قد تملأ الشاشات، والمقالات المدفوعة قد تُغرق المنصّات، لكن الحقيقة لا تموت.
الظهور الأخير لم يخلق حقيقة جديدة بقدر ما كشف زيفًا قديمًا.
وعلى القارئ اليوم أن يُمارس حقه في الشك، وأن يُسائل كل “تحليل” وكل “سبق” وكل “مصادر خاصة”.
فالإعلام الذي لا يُحاسَب يتحوّل إلى سلاح ضد الناس، لا لأجلهم.
المعركة الحقيقية ليست بين أشخاص، بل بين حقيقة تُنقَذ وكذبة تُفضَح.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.