الحركة الإسلامية السودانية: من التغلغل المؤسسي في الجيش إلى العسكرة العابرة للحدود!!
تقرير: عين الحقيقة
بينما اقتربت حرب السودان من إكمال عامها الثالث، يتجاوز المشهد حدود الصراع التقليدي بين جنرالات الجيش وقوات الدعم السريع، ليبرز لاعب قديم-جديد يحاول استغلال الأوضاع لإعادة تموضعه في الخارطة السياسية المضطربة. إذ تشير التقارير الميدانية والدولية المتواترة إلى أن الحركة الإسلامية السودانية استطاعت تحويل الأزمة من صراع عسكري على السلطة إلى منصة لاستعادة حضورها، عبر استراتيجيات تتراوح بين الهيمنة على القرار السيادي وعسكرة المجتمع، وسط تحذيرات من تحول السودان إلى بؤرة تهديد للأمن الإقليمي والدولي.
لم تكن عودة الحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي عبر صناديق الاقتراع، بل عبر غرف العمليات وتخوين القوى المدنية..
لم تكن عودة الحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي عبر صناديق الاقتراع، بل عبر غرف العمليات وتخوين القوى المدنية.. ويؤكد مراقبون وساسة، من بينهم عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان، أن قرار الحرب بات رهينًا بأجندة الحركة. ولم يأتِ هذا النفوذ من فراغ، بل هو نتاج عقود من التمكين داخل مؤسسات الدولة، ما سمح للحركة بالسيطرة على مفاصل حيوية داخل الجيش وتوجيه مسار المعارك لقطع الطريق أمام أي تسوية سياسية قد تقصيها من المشهد المستقبلي، عقب إزاحتها من حكم السودان في ثورة شعبية غير مسبوقة.
ومع استمرار الحرب، انتقلت الحركة من العمل التنظيمي إلى التجييش المباشر، حيث ظهرت فصائل مسلحة تعمل تحت غطاء المقاومة الشعبية أو إسناد القوات المسلحة، وأبرزها لواء البراء بن مالك، الفصيل الأكثر إثارة للجدل، والذي خضع لعقوبات أمريكية نظرًا لدوره في تأجيج العنف.. كذلك هناك ما يُسمى بكتائب المهام الخاصة، مثل الزبير بن العوام والبرق الخاطف، وهي تشكيلات تُتهم بتنفيذ عمليات خارج إطار القانون العسكري التقليدي.
وتلاحق هذه المليشيات اتهامات ثقيلة بارتكاب جرائم حرب، تتنوع بين التصفيات الجسدية الممنهجة والعنف القائم على النوع الاجتماعي، مثل الجرائم التي وُصفت بالإبادة الجماعية في كنابي الجزيرة. إلا أن الأخطر يكمن في تقارير تشير إلى احتمال استخدام أسلحة غير تقليدية، كيميائية، في بعض المحاور، ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية للتحقيق في خروقات قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.
ومؤخرًا، حذر معهد جيت ستون الأمريكي من أن استمرار نفوذ الحركة الإسلامية يحوّل السودان إلى مغناطيس للجماعات الراديكالية العابرة للحدود. وتتلخص المخاطر في تصدير التطرف وتحول الأراضي السودانية إلى قاعدة انطلاق لعمليات إرهابية في القرن الأفريقي والساحل.
ومن بين المخاطر التي ذكرها المعهد رصد علاقات متنامية بين فصائل إسلامية وطهران، ما يمنح الأخيرة موطئ قدم على البحر الأحمر. بالإضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى تهديد التجارة العالمية، إذ إن السيطرة على سواحل السودان قد تعني وضع الملاحة الدولية في قناة السويس ومضيق باب المندب تحت رحمة قوى غير منضبطة.
وأمام هذا التمدد، تتصاعد الأصوات داخل دوائر صنع القرار في واشنطن والعواصم الأوروبية للمطالبة بتصنيف الحركة الإسلامية في السودان منظمةً إرهابية. ويرى الخبراء أن هذه الخطوة قد تكون السبيل لتجميد الأصول المالية الضخمة التي تديرها الحركة دوليًا، وعزل العناصر المتشددة داخل المؤسسة العسكرية السودانية، ومنع نشوء حزام إرهابي يمتد من اليمن عبر السودان وصولًا إلى ليبيا.
ويرى مراقبون أن الحرب في السودان لم تعد شأنًا داخليًا، بل تحولت إلى ساحة صراع على الهوية الاستراتيجية للمنطقة. وبقاء الحركة الإسلامية كمحرك خفي لهذا الصراع يعني استدامته، ما يجعل من تحجيم دورها ضرورة قصوى لاستعادة الاستقرار في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
وتبدو الحركة الإسلامية اليوم أمام اختبار تاريخي لا يتعلق فقط بقدرتها على المناورة السياسية، بل بمسؤوليتها عن الإرث الذي خلّفته في بنية الدولة والمجتمع.. فبدلًا من مراجعة تجربتها وإخضاعها لنقد ذاتي شجاع، اختارت إعادة إنتاج أدوات الهيمنة القديمة في سياق أكثر هشاشة وخطورة، مستندة إلى عسكرة المجال العام واستثمار الفوضى لتعزيز نفوذها.
إن أي مشروع سياسي يقوم على توظيف الحرب وإدامة الاستقطاب الديني، مهما بدا ناجحًا مرحليًا، يحمل في داخله بذور انهياره، لأنه يراكم الأزمات ولا يعالج جذورها.. والسودان، الذي أنهكته الصراعات والانقسامات، لا يحتمل عودة نماذج الحكم الإسلامي القائمة على الإقصاء والتمكين الأيديولوجي.
لذلك، يظل مستقبل الاستقرار في البلاد رهينًا بقدرة القوى الوطنية على كسر دائرة التوظيف السياسي للعنف، وفتح مسار مدني ديمقراطي يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمساءلة، بعيدًا عن هيمنة أي تنظيم يسعى إلى احتكار القرار أو إعادة تدوير أزماته على حساب الوطن.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.