في خضم الحرب المستمرة في البلاد، برزت مؤشرات متزايدة على تحركات تقودها الحركة الإسلامية السودانية، المعروفة شعبياً بالإخوان، لإعادة تموضعها في المشهدين السياسي والعسكري، بما يضمن لها العودة إلى مركز القرار مجدداً، بعد أن أطاحت بها ثورة ديسمبر المجيدة عام 2019.
وبينما تنشغل القوى المدنية بمحاولات إيقاف الحرب واستعادة المسار الانتقالي، تبدو الحركة أكثر تركيزاً على إعادة بناء شبكاتها التنظيمية واستثمار التحولات الميدانية لخدمة مشروعها السياسي.
تستند الحركة الإسلامية إلى إرث طويل من السيطرة على مفاصل الدولة منذ انقلاب عام 1989 بقيادة الرئيس المعزول عمر البشير، الذي حكم البلاد لثلاثة عقود بدعم مباشر من الجبهة الإسلامية القومية، ولاحقاً عبر حزب المؤتمر الوطني. وخلال تلك الفترة، رسخت الحركة نفوذها داخل مؤسسات الجيش والأمن والقضاء والخدمة المدنية، ما مكنها من تشكيل ما يُعرف اصطلاحاً بالدولة العميقة.
ورغم سقوط نظام البشير في 2019، لم تُفكك هذه الشبكات بالكامل، إذ احتفظت الحركة بامتدادات داخل أجهزة الدولة، فضلاً عن قواعد اجتماعية ممتدة في الأحياء والمساجد والنقابات.
ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وجدت الحركة في حالة الفوضى فرصة لإعادة ترتيب أوراقها بعيداً عن ضغوط المرحلة الانتقالية.
منذ اندلاع الحرب، برز خطاب إعلامي وسياسي يتبنى سردية «المعركة الوجودية» ضد قوات الدعم السريع، وهو خطاب يتقاطع مع أدبيات الحركة الإسلامية التي طالما ربطت بين السلطة والدفاع عن الهوية والدين.
وتتهم قوى مدنية الحركة بالسعي إلى توظيف الحرب لتصفية خصومها السياسيين وإعادة إنتاج تحالفها التاريخي مع المؤسسة العسكرية.
ويرى محلل سياسي فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» أن الحركة الإسلامية تدرك أن العودة المباشرة عبر واجهة حزبية صريحة قد تكون مكلفة في ظل الرفض الشعبي الواسع، لذلك تميل إلى العمل من خلف الستار، عبر دعم تيارات داخل الجيش أو الدفع بشخصيات محسوبة عليها إلى مواقع تنفيذية وإدارية في الولايات الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني.
كما لوحظت عودة أنشطة اجتماعية ودعوية علنية في بعض المناطق، من بينها تنظيم إفطارات جماعية وفعاليات تعبئة مجتمعية، في مؤشر يعكس استعادة قدر من الثقة والجرأة السياسية.
ويُعد إضعاف القوى المدنية التي قادت الحراك بعد 2019 أحد أبرز أولويات الحركة الإسلامية، وعلى رأسها تحالف قوى الحرية والتغيير «صمود حالياً».
فقد واجهت هذه القوى انقسامات داخلية حادة بسبب ما تصفه بعض الأطراف بتآمر الإسلاميين، لا سيما عقب توقيع الاتفاق الإطاري مع المكوّن العسكري، ما أضعف قدرتها على تشكيل جبهة موحدة.
وتشير تحليلات إلى أن الحركة استفادت من هذه الانقسامات، سواء عبر حملات إعلامية ممنهجة أو من خلال استقطاب شخصيات كانت جزءاً من المشهد الانتقالي.
كما سعت إلى تحميل القوى المدنية مسؤولية التدهور الاقتصادي والانفلات الأمني، في محاولة لإعادة تقديم نفسها باعتبارها تياراً «منظماً» وقادراً على إدارة الدولة.
على الصعيد الخارجي، تعمل الحركة على إعادة تموضعها إقليمياً، مستفيدة من تحولات في أولويات بعض العواصم العربية والأفريقية، مثل السعودية ومصر وقطر، التي باتت تضع مصالحها في مقدمة اهتماماتها أكثر من طبيعة النظام السياسي المتماشي مع مصلحة الشعب السوداني.
وفي هذا السياق، تحاول الحركة تقديم نفسها كقوة بديلة قادرة على ضبط المشهد السياسي ومنع انهيار الدولة، مستغلة تاريخها السلطوي لثلاثة عقود منصرمة.
ورغم استمرار تحفظ بعض الدول تجاه أي عودة صريحة للإسلاميين إلى السلطة، فإن غياب بديل مدني قوي واستمرار الحرب قد يدفعان بعض الفاعلين الإقليميين إلى القبول بتسويات تشمل أطرافاً محسوبة على النظام السابق، شريطة أن تضمن وقف القتال وإعادة الحد الأدنى من الاستقرار.
وتعتمد الحركة الإسلامية على مزيج من الأدوات الصلبة والناعمة. فمن جهة، يُتداول عن وجود عناصر محسوبة عليها ضمن التشكيلات القتالية المساندة للجيش، ومن جهة أخرى تستثمر في الخطاب الديني والإعلامي لتعبئة الرأي العام.
وتنشط منصات موالية لها على وسائل التواصل الاجتماعي في نشر روايات داعمة للجيش ومهاجمة خصومه، مع التركيز على مفاهيم مثل «المؤامرة الخارجية» واستهداف بعض الدول الرافضة لعودتها، إلى جانب خطاب الهوية الإسلامية.
كما تسعى إلى استقطاب الشباب عبر مبادرات خدمية وإغاثية في ظل التدهور الإنساني، مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه تراجع المنظمات المدنية في مناطق النزاع.
ورغم هذه التحركات، تواجه الحركة تحديات كبيرة. فصورة النظام السابق لا تزال، لدى قطاعات واسعة من السودانيين، مرتبطة بالقمع والفساد والعزلة الدولية.
كما أن أي عودة صريحة للحركة إلى واجهة السلطة قد تثير موجة احتجاجات جديدة، خاصة في المدن الكبرى التي كانت مركز الحراك الثوري.
إضافة إلى ذلك، فإن التوازنات داخل المؤسسة العسكرية نفسها لا تبدو متطابقة بالكامل مع أجندة الحركة، إذ تسعى بعض التيارات إلى الحفاظ على مسافة منها تجنباً للعزلة الدولية أو فرض عقوبات محتملة.
وتتراوح السيناريوهات بين عودة تدريجية وغير معلنة للحركة الإسلامية عبر تحالفات داخل السلطة القائمة، وإعادة إنتاج واجهة سياسية جديدة لا تحمل اسم «الإخوان» لكنها تعكس التوجهات ذاتها. وفي المقابل، قد يؤدي أي اتفاق سياسي شامل لوقف الحرب إلى إعادة فتح ملف تفكيك تمكين النظام السابق، ما قد يحد من طموحاتها ويقيّد حركتها.
في الواقع، تبدو الحركة الإسلامية السودانية في حالة حراك دائم، مستفيدة من تعقيدات الحرب وتراجع القوى المدنية.
وبينما لم تعلن صراحة عن مشروع عودة مباشر إلى الحكم، فإن المؤشرات السياسية والميدانية توحي بأنها تعمل بصبر وتنظيم لاستعادة نفوذها، ولو بأدوات وأساليب مختلفة عن تلك التي استخدمتها في السابق.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تسمح الظروف الداخلية والإقليمية بعودة الإسلاميين إلى واجهة السلطة، أم أن تجربة العقود الثلاثة الماضية ستظل حاجزاً نفسياً وسياسياً يصعب تجاوزه في الوعي الجمعي السوداني؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.