قال أبو العلاء المعري:
“يدّعون إلى الهدى وهم ضلالٌ
فهل في الضلالِ من هادِ؟”
في تاريخ السودان الحديث، قلما شهدت البلاد تجربة سياسية اتسمت بهذا القدر من الادعاء الأخلاقي المصحوب بفقر الرؤية، وبالخطاب الديني المتخم بالوعود في مقابل واقع مثقل بالخراب، كما حدث منذ استيلاء التيار الإسلامي المعروف شعبيًا بالكيزان على السلطة في العام 1989.
لم يكن ذلك الاستيلاء مجرد انقلاب على نظام حكم، بل كان انقلابًا على فكرة الدولة نفسها، وعلى معنى العدالة، وعلى إمكانية التطور التاريخي للمجتمع.
حتى بدت ممارساته، في جوهرها الإقصائي والنهبي، أشد فتكًا من الأنظمة الإقطاعية الأوروبية في العصور الوسطى، وأكثر قسوة من أنظمة الفصل العنصري الأبارتايد، التي مارست التمييز بوضوح فاضح، بينما مارس هو الإقصاء باسم الخلاص، والنهب باسم المشروع، والاستبداد باسم الدين.
أرى الناس في الدنيا إذا ما امتحنتهم
أخو غدرٍ، أو مجرمٌ يتنسّكُ
فقد دخلوا المجال العام بوصفهم حملة مشروع حضاري، لا مجرد فاعلين سياسيين.
وقدموا أنفسهم باعتبارهم أوصياء على الدين والوطن معًا، واضعين المجتمع أمام معادلة زائفة: إما هم وإما الضياع.
غير أن السنوات الثلاثين وأكثر التي أعقبت ذلك الانقلاب لم تكن سوى مختبر قاس لفضح هذا الادعاء، حيث تحولت السلطة من وسيلة لبناء الدولة إلى غاية بحد ذاتها، وتحول الدين من منظومة قيم إلى أداة تبرير سياسي، وتحول الوطن إلى غنيمة مفتوحة.
يُظهر الناسُ نسكًا في العلن
وسرُّهم عند الامتحان سُعارُ
ثلاثة عقود زمنية ليست مدة عابرة في عمر الدول، بل كافية، من حيث المنطق التاريخي، لتأسيس دولة من العدم.
فكيف بدولة تمتلك من الموارد الطبيعية ما يجعلها مكتفية بذاتها، ومن التنوع البشري والثقافي ما يؤهلها لأن تكون نموذجًا للتعايش، ومن الموقع الجغرافي ما يمنحها فرصة نادرة للاندماج الإقليمي والدولي.
ومع ذلك، لم يقدم هذا التيار خلال حكمه أي مشروع تنموي متكامل، ولا رؤية استراتيجية قابلة للقياس، ولا مؤسسات مستقلة قادرة على الاستمرار.
كل ما كان حاضرًا هو خطاب تعبوي يضخم الشعارات، ويختزل الدولة في التنظيم، ويختزل الوطن في الولاء، ويختزل الكفاءة في الطاعة.
خفّفِ الوطءَ، ما أظنُّ أديمَ الأرضِ
إلا من هذه الأجسادِ
أما سردية الحصار والمؤامرة العالمية، التي طالما لجأوا إليها لتبرير الفشل، فهي واحدة من أكثر الأكاذيب السياسية ابتذالًا.
فالعالم لا يعادي الدول لمجرد هويتها الدينية أو الثقافية، بل يعادي السلوك المعزول عن منطق المصالح المشتركة والقانون الدولي.
لقد وضعوا أنفسهم طوعًا خارج منظومة العالم، لا لأنهم أصحاب مشروع مستقل، بل لأنهم افتقروا إلى فهم السياسة بوصفها فنًا للشراكة وبناء الثقة.
عزلوا السودان بقراراتهم، وأفقدوه فرص الاستثمار والتكامل، ثم وقفوا ليشكون من العزلة التي صنعوها بأيديهم، في مفارقة لا تخلو من سخرية سوداء.
في الداخل، لم يكن التمكين مجرد سياسة إدارية، بل كان فلسفة حكم كاملة، تقوم على تفريغ الدولة من مضمونها المهني وتحويلها إلى شبكة مصالح حزبية.
جرى تفكيك الخدمة المدنية، وإعادة تركيبها على أساس الولاء لا الكفاءة.
وتحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات جباية ونهب منظم.
لم يكن الفساد عرضًا جانبيًا، بل كان جزءًا بنيويًا من النظام، يتغذى على غياب الشفافية وعلى القداسة المصطنعة التي أحاط بها قادته أنفسهم.
وهكذا تآكلت الدولة من الداخل، بينما ظل الخطاب العام مشغولًا بالحديث عن المشروع والأخلاق والتمكين للدين.
والمفارقة الأشد قسوة أن هذا التيار، برغم كل ما ارتكبه من إفساد سياسي واقتصادي واجتماعي، لم يُصنَّف عالميًا ضمن الجماعات الإرهابية.
لا لأنه أقل خطورة، بل لأنه ببساطة لم يكن يحمل مشروعًا عقائديًا عابرًا للحدود، بل كان أقرب إلى عصابة سياسية تتقن فن السرقة باسم الدين، وتبرع في إدارة الفوضى أكثر مما تبرع في إدارة الدولة.
كانت النتيجة بلدًا مدمرًا، واقتصادًا منهارًا، ومجتمعًا ممزقًا، وحربًا شاملة هي ثمرة مباشرة لسنوات من الإقصاء وتسليح الخوف.
حيث تحولت أدوات القمع التي استُخدمت يومًا كخيال مآتة لترويع الخصوم إلى وحش حقيقي التهم الجميع.
كأننا نشاهد أحد أفلام الكاوبوي الأمريكية، حيث يقف البطل أمام عدة طرق لحسم المعركة مع الخارجين عن القانون، فيختار الأسلوب الذي يعكس تمامًا سلوك خصومه.
في حالة كيزان السودان، اختارت أمريكا طريقًا يشبه طريقة هذا التيار، لكن هذا الاختيار لم يظهر إلى العلن بعد.
وسيكون مفاجأة حقيقية لهذه الجماعة، تكشف عبثية تصرفاتهم وفوضويتهم أمام استراتيجية بسيطة وفعالة، بينما كانوا يظنون أنفسهم المتحكمين في كل شيء.
عند هذا الحد، تبدأ المفارقة في التشكّل.
جنة مصممة على مقاس الخطاب، يدخلها من حكم فأفسد، ومن سرق فتكبر، ومن أشعل الحرب ثم توضأ بدموع الضحايا.
جنة بلا ميزان، ولا سؤال، ولا وقفة حساب.
يكفي لولوجها أن ترفع اليد بالدعاء، ولو كانت اليد ذاتها قد امتدت إلى المال العام، أو وقعت على قرار قاد بلدًا بأكمله إلى الهاوية.
هنا لا تعود الجنة وعدًا أخلاقيًا، بل امتيازًا تنظيميًا.
ولا تعود ثمرة لعدل، بل مكافأة على طول البقاء في السلطة.
جنة تشبه تمامًا دولتهم الأرضية: مغلقة، حصرية، بلا قواعد، بلا محاسبة، وبلا مكان للضحايا الذين ألهتهم تصرفاتهم عن الحقيقة.
كأنما السماء، في تصورهم، إدارة أخرى من إدارات التمكين، وسجلاتها لا تحفظ الأعمال، بل تحفظ الأسماء.
ويمتد المشهد، كأنه لا يريد أن ينتهي: وطنًا محروقًا، دولة منهكة، مجتمعًا ممزقًا، وقادة يقفون على الركام، مطمئنين، لأنهم حسب يقينهم الصلب من الداخلين الجنة.
ليس لأنهم أقاموا العدل، بل لأنهم تحدثوا باسمه.
وليس لأنهم حفظوا البلاد، بل لأنهم رفعوا الشعارات.
وهنا تحديدًا، لا يعود السؤال عن مصيرهم في الآخرة شأنًا لاهوتيًا، بل يصبح السؤال الحقيقي: كم جنة يحتاجها إنسان واحد، ليبرر هذا القدر من الخراب على الأرض.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.