المنطقة الخضراء!!

أطياف - صباح محمد الحسن

طيف أول:
تسقط الكلمات بين الصمت والكبرياء،
وتنبثق للحرف الناجي
دواةٌ كانت قد تُركت في الظل شاهدًا على الوقوف!!
وطبيعة الأمر أن وصول الطائرات الإنسانية لتأمين الإغاثة دائمًا ما يكون الحدث الفعلي الذي يمهّد لبعثة المراقبة لاحقًا، وهذا ليس نهجًا جديدًا، وإنما نمط شبه متكرر في نزاعات أخرى، فالوجود الإنساني الجوي يمهّد غالبًا لدخول بعثة مراقبة أو حفظ سلام، لأنه خطوة توفر البنية اللوجستية والشرعية الدولية للتحرك.
وفي دارفور، ومع تفاقم الأزمة الإنسانية، بدأت الأمم المتحدة ووكالاتها مثل برنامج الأغذية العالمي تشغيل رحلات جوية لنقل المساعدات والكوادر الإنسانية إلى الفاشر ونيالا والجنينة. وتلك الطائرات آنذاك كانت جزءًا من خدمة النقل الجوي الإنساني (UNHAS).
وبعدها بشهور وُقّعت اتفاقيات وقف إطلاق النار بين الحكومة السودانية وبعض الحركات المسلحة، ومن ثم نشر الاتحاد الأفريقي بعثة مراقبة صغيرة (AMIS) لمتابعة وقف النار. ولم يمر وقت طويل بعد قرار مجلس الأمن حتى دخلت بعثة مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي (UNAMID) بولاية أوسع، لتشمل مراقبة وقف النار وحماية المدنيين.
وقبلها حدث ذلك في جنوب السودان وصلت طائرات الأمم المتحدة أولًا بمساعداتها الإنسانية، ومن ثم أُبرمت اتفاقيات وقف إطلاق النار بين الحكومة والمعارضة، ووصلت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان (UNMISS) وتولت مراقبة الوضع الأمني، وحماية المدنيين، ودعم العملية السياسية.
لذلك، عندما احتفلت حكومة الحرب وإعلامها بفتح مطار الخرطوم كتبنا هنا أن افتتاح مطار العاصمة هو مكلب دولي وجزء من خطة الحل ، وأن الأمم المتحدة تحتاج إلى مطارين وفق الخطة الدولية: مطار نيالا المهيأ للاستقبال، ومطار الخرطوم الذي استجابت حكومة بورتسودان لتهيئته لاستقبال الطيران الدولي الخاص بميدان الحرب.
وعليه، فإن هبوط طائرة تابعة لخدمات النقل الجوي للمجال الإنساني (UNHAS) ليس عودة طبيعية لحركة الطيران، وإنما خطوة بداية واضحة تؤكد وضع حجر الأساس لمظلة الوجود الدولي.
ففي معظم الحالات، كان وقف إطلاق النار الشرط الأولي لدخول الأمم المتحدة، سواء عبر بعثات مراقبة أو قوات حفظ سلام. وتكون البداية غالبًا إنسانية: من إغاثة، وطيران، وقوافل، ثم تستمر عمليات الوصول وتتطور إلى وجود أمني سياسي لمراقبة الالتزام بالهدنة.
لذلك، إن ما حدث هو سيناريو مشابه بإعادة تشغيل الطيران الأممي، مما يرجّح أن تكون مقدمة لبعثة مراقبة أو وجود أكبر، كما حدث في دارفور وقبلها في جنوب السودان.
وتزامن ذلك مع آخر التصريحات التي أدلى بها مسعد بولس عندما تحدث عن ضرورة فرق مراقبة للهدنة؛ فالمستشار الأمريكي شدّد في تصريحاته الأخيرة على أن الهدنة في السودان لا يمكن أن تكون فعّالة من دون وجود مراقبة دولية. وأوضح أن مجرد إعلان وقف إطلاق النار لا يكفي، بل يجب أن تكون هناك آليات متابعة ميدانية تضمن التزام الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالهدنة وتمنع الانتهاكات. وأشار إلى أن الإدارة الأميركية، ضمن الرباعية، وضعت خارطة طريق تتضمن تفاصيل فنية وأمنية ولوجستية، من بينها فرق مراقبة، باعتبارها شرطًا أساسيًا لإنجاح أي هدنة إنسانية أو سياسية.
وفي يونيو الماضي أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أنه أجرى اتصالات مباشرة مع قائد القوات المسلحة السودانية وقائد قوات الدعم السريع لتأمين هدنة إنسانية، مشيرًا إلى أن أي هدنة تحتاج إلى تنظيم مسبق وآليات متابعة، وإعداد عملية ضخمة لتوصيل المساعدات، وهو ما يتقاطع مع ما قاله مسعد بولس عن ضرورة وجود فرق مراقبة دولية، مما يعني عمليًا الحاجة إلى آليات مراقبة.
لذلك، فإن وصول الطائرة يشير إلى أن الأمم المتحدة تهيئ الأرضية لوجود مراقبين أو بعثة ميدانية. وإن استقبال مطار الخرطوم لطيران الأمم المتحدة هو بداية لعمل دولي لن تنتهي رحلاته بوصول هذه الطائرة. فبرنامج الغذاء العالمي ذاته الذي ابتدر خطة الوجود في دارفور قال امس : ( إنه من المتوقع استئناف الرحلات الجوية المنتظمة في القريب العاجل) !!
فالخرطوم الخالية من المظاهر العسكرية والتي لا تشهد معارك حية قد تكون هي “المنطقة الخضراء” الآمنة والمحمية دوليًا، لتكون مركزًا لتأمين البعثات الدولية التي تهبط في بيئة نزاع، والتي دائمًا ما تُخصص لوجود الأمم المتحدة والفرق الدولية، لتكون مساحة لممرات إنسانية منزوعة السلاح.
طيف أخير:
البرهان: (لا يوجد أي حل سوى مواصلة الحرب حتى نهايتها أو استسلام العدو والقضاء عليه).
ولن يتغير خطاب البرهان إلى أن يتحقق السلام بلا استسلام للعدو ودون القضاء عليه!!.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.